الرئيسية / مقالات / مآسى الالغام  .. بذورها الشر وسمادها الديناميت وثمارها قتلى وبتر أعضاء !  .. بقلم : حسن الهامى

مآسى الالغام  .. بذورها الشر وسمادها الديناميت وثمارها قتلى وبتر أعضاء !  .. بقلم : حسن الهامى

hasan alhame

اللغم فخ فى منتهى اليقظة، قاتل فتاك بارد المشاعر، دائما ما يصيب هدفه ولا يخطأه أبداً ، ونظرا لرخص تكلفة أنتاجه نسبيا ما يجعله محل اقبال، ومن ثم انتشر استخدامه انتشارا سريعا و واسعا، نتائجه حاسمه؛ قتلى وجرحى وأعضاء مبتورة، ليس ذلك فقط بل أن وجوده يمثل خطرا كبيرا يحول دون الاقتراب أو اللمس أو الدوس ، واذا ما تراص أو نثر؛ تصبح الارض بمثابة حدائق لايتردد عليها الا الشياطين ويفقد الانسان الامل فى زراعتها أو عمارتها الا بتكاليف عالية للغاية وباكثر من تكاليف انتاج اللغم، رغم ذلك فأن تكاليف تطهير الارض من بذور الشر؛ ومهما تكلفت اذا ما توفرت، تظل ارخص من تبعاتها حياة انسان برئ، ومن ثم يمثل اللغم قضية انسانية واخلاقية وسياسية واجتماعية واقتصادية.

ويصمم لغم الافراد لينفجر نتيجة الضغط عليه بمعرفة شخص، أو الاقتراب منه، أو المرور بجواره، اذ يحتوي بداخله على مادة متفجرة، يتراوح وزنها من عشرة جرامات إلى 250 جراماً، وقد يصل في بعض الأنواع إلى 500 جرام. واللغم أما أن يكون من النوع التدميرى أو الشظيي، وتحدث الألغام، في حالة انفجارها تأثير فتاك. وتتوقف درجة  الإصابة، على حجم اللغم ووزنه، وكمية المادة المتفجرة، وعادة ما يحدث النوع التدميرى إصابات تحت الركبة في القدم والأرجل، أمّا الألغام المتشظية، فتحدث إصاباتها في جميع أجزاء الجسم، وتزيد عدد الإصابات بالشظايا، كلما كان الشخص قريباً من الانفجار، وقد تصل درجة الإصابة إلى القتل.

ابتكرت فكرة الألغام عسكريا، وكانت تعني حفر مزودة بعبوات ناسفة لتدمير الحصون، ثم استخدم اصطلاح اللغم بعد ذلك لأي عبوات ناسفة، تدفن تحت سطح الأرض مباشرة، وتزود بوسيلة تفجير، تنفجر لدى دوس العدو فوقها. وقد استخدمت الالغام في الحرب العالمية الأولى ( 1914 ـ 1918) ضد الدبابات، وحدث تطويرا مثيرا بعد تصنيع المادة المتفجرة (TNT) لتبدأ صناعة الجيل الأول من الألغام المضادة للدبابات، والتي أصبحت جزءاً من تسليح مختلف الجيوش.

استخدمت الالغام بكثافة عالية في الحرب العالمية الثانية(1939- 1945) ، إذ استعمل أكثر من 300 مليون لغم مضاد للدبابات، الا ان الغام الدبابات آنذاك، كان من السهل اكتشافها لكبر حجمها مما يمكن العدو من الاستيلاء عليها وإعادة زرعها لمصلحته، وتفتق الذهن الى صنّع الجيل الأول من الألغام المضادة للأفراد، لتزرع مع الألغام المضادة للدبابات، وتكون سلاحاً معاوناً يعمل جنباً إلى جنب معها، بما يضمن عدم اقتراب أفراد العدو عند محاولتهم إزالة الألغام الأساسية.

استمر تطوير الألغام ووسائل تفجيرها، وظهر- في أوائل الستينات وحتى أوائل السبعينات- الجيل الثاني من الألغام المضادة للأفراد وهي من النوع الذى يمكن نشره من مسافات بعيدة عن طريق الطائرات، وخاصة في عمق دفاعات العدو ومؤخرته، لإحداث خسائر به أثناء انسحابه، ووقف إمداداته. وقد استخدمتها القوات الأمريكية في الحرب الفيتنامية، وأُلقِي الآلاف منها على لاوس، وكمبوديا، وفيتنام. ثم ظهر في الثمانينيات، قذائف المدفعية، والصواريخ الميدانية، وقنابل الطائرات.

ومع تطور الألغام، تكنولوجياً، وقلة نفقتها ، عدا الألغام ذات التقنية العالية، أصبحت أسلحة مفضلة، لا يُستغنى عنها في العمليات الحربية، أو الصراعات الداخلية، بل تمكنت التكنولوجيا الحديثة من انتاج الغام بلاستيكية أصغر حجما واكثر صعوبة فى أكتشافها وبتكاليف رخيصة للغاية حيث تبلغ تكلفة انتاجها فى الولايات المتحدة ما بين 3 – 7 دولار وبتصميم – للأسف – يجعلها جذابة للغاية للأطفال.

ونتيجة للتوسع الهائل في استخدام الألغام، وخاصة الالغام المضادة للأفراد، وضعف أعمال التطهير، فقد تزايدت أعداد ضحاياها، خاصة من المدنيين وذلك فبينما كانت نسبة الإصابات في المدنيين بالألغام 15%، في الحرب العالمية الأولى، ارتفعت بحلول نهاية الحرب العالمية الثانية إلى 65% من إجمالي إصابات المدنيين خلال الحرب.

وتتعدد أنواع الألغام طبقا لاستخدامها واكثرها شيوعا الألغام الأرضية ومن أمثلتها الألغام المضادة للدبابات والالغام المضادة للأفراد، وكلاهما أما أن تكون ألغام انفجارية أو ألغام متشظية؛ والالغام أما تقليدية أو مبثوثة عن بعد، والأكثر انتشارا هو الألغام التقليدية، التى تُنشر وتُرص وتُزرع يدوياً بالأفراد، أو ميكانيكياً بواسطة مقطورات رص الألغام، أو بعربات مدرعة مزودة بتجهيزة خاصة للرص.

وتعد حقول الألغام من أكثر الموانع فاعلية، وقد برع الألمان في استخدامها في الحرب العالمية الثانية وتمثل ذلك فى منطقة العلمين، وعنهم أخذت الجيوش أساليبهم في زرع حقول الألغام، التي أصبحت عنصراً أساسياً في أساليب القتال في جميع الحروب، التي اندلعت ما بعد الحرب العالمية الثانية، وتتميز حقول الألغام، مقارنة بالموانع الصناعية الأخرى، بقلة نفقتها، وسهولة زرعها، وقدرتها على إعاقة الهجمات الكبيرة، وتأثيرها المعنوي والمادي، في القوات المهاجمة.

وينتشر فى العالم حوالى 110 مليون لغم ارضى فى ما يزيد عن 71 دولة ، وهناك مناطق فى العالم ما معدله لغم واحد لكل ستة عشر طفلاً، أي لغم واحد لكل 48 فرداً من سكان العالم، وفى مصر لغم لكل ثلاث افراد، وعالميا تقتل الألغام حوالى 800 شخصاً وتجرح حوالي 1200 شهريا، أي ما معدله 2000 إصابة في الشهر، أي إصابة واحدة كل 20 دقيقة،كما أن ما يفوق الثلث من مصابي الألغام، يتم بتر أحد أطرافهم على الأقل، ويبلغ عدد ضحايا الالغام التي سقطت خلال الستين عاما الماضية ما يفوق عدد ضحايا الأسلحة النووية والكيميائية مجتمعة.

وبينما تتراوح تكلفة انتاج اللغم ما بين 3 – 30 دولار، تبلغ تكلفة ازالة اللغم 300 – 1000 دولار ، كما ينتج عن عمليات ازالة الالغام حالة وفاة واصابتين عن كل 5000 لغم تتم ازالته، وتقدر تكلفة ازالة الالغام من العالم 50 – 100 مليار دولار ، ويبلغ عدد ضحايا الالغام سنوياً أكثر من 4200 شخص منهم 42٪ من الأطفال أضافة الى 15,000 – 20,000 مصاب سنوياً معظمهم من الاطفال والنساء والشيوخ.

ومن اكثر الدول تضررا من الألغام الأرضية فى العالم على الترتيب مشفوعا بعدد الالغام كل من: مصر (23 مليون)؛ أنجولا (10- 20 مليون)؛ ايران (16 مليون )؛ أفغانستان (10 مليون )؛ العراق (10 مليون )؛ الصين (10 مليون )؛ كمبوديا (10 مليون )؛ موزمبيق (3 مليون)؛ البوسنة والهرسك (2- 3 مليون)؛ كرواتيا (2 مليون)؛ الصومال (1 مليون)؛ إريتريا (1 مليون)؛ والسودان (1مليون) وتمثل مصر وأنجولا وإيران أكثر من 85 في المائة من العدد الكلي للإصابات المتعلقة بالألغام في العالم كل عام، ويذكر أن موزمبيق قد أعلنت مؤخرا عن ازالتها كل الالغام من اراضيها وذلك بتعاون بريطانى.

وحتى وقت قريب، بينما يتم إزالة نحو 100 ألف لغم فأنه يزرع مليونى لغم كل عام أى مقابل نزع لغم قديم يتم زرع 20 لغم جديد، و إذا ظل إزالة و زراعة الألغام على نفس المعدل؛ تقدر الامم المتحدة ان العالم يحتاج 1100 عام للتخلص من جميع الألغام ، أما فى حالة توقف زراعة الالغام فأن الامر يتطلب 100 عام ،وبينما من المقبول عسكريا تطهير الالغام أمام القوات بنسبة 80 % يرتفع هذا المعدل مدنيا الى 99.6% ، واكثر الاصابات شيوعا عن الالغام هو بتر احد الاطراف أو أكثر، وبينما معدل فقد طرف فى الولايات المتحدة هو حالة لكل 22 الف شخص، يبلغ فى انجولا الى 30 حالة لكل 10 الاف فرد.

وفي كثير من المناطق الأكثر تضررا في العالم، تعتبر الزراعة والرعى هما الدعامة الأساسية للاقتصاد، لكن حقول الالغام تحول أو تسبب اخطار جسيمة حيث تزرع الألغام في الحقول والغابات وحول الآبار ومصادر المياه والمنشآت المائية، مما يجعل هذه غير صالحة للاستعمال، ويمكن مضاعفة الانتاج الزراعى فى كل من أفغانستان وكمبوديا إذا تم القضاء على الألغام الأرضية.

ويذكر ان ما يقرب من 80٪ من ضحايا الالغام من المدنيين وكثير منهم من الأطفال وهم الاكثر عرضة للوفاة من الكبار، ويقدر أن 50٪ من الضحايا يموتون في غضون ساعات من الانفجار، وكثير منهم يصلون الى الرعاية الطبية خلال ساعات وأكثر باستخدام الدواب أو فى شاحنه على الطرق الوعرة، وذلك ان ضحايا الالغام غالبا من مواطنى الدول النامية التى تفتقر الى الموارد المالية والخبرات التأهلية والخدمات الصحية والاجتماعية، وتفيد منظمة الصحة العالمية أن الخدمات الطبية واعادة التأهيل لاتغطى فى الدول النامية الا ما هو اقل من 5٪ من الأشخاص ذوي الإعاقة في المجتمع.

وفى اعقاب الحرب العالمية الثانية، عقدت عدة اتفاقيات ومعاهدات وبروتوكلات تتعلق بقضية الالغام وتوابعها، وهذه الاتفاقيات تنظّم، أو تحظر استخدام الألغام الأرضية ومخلفات الحرب القابلة للانفجار. وهذه الصكوك هي جزء من كيان القانون الإنساني الدولي الذي يهدف إلى الحدّ من آثار النـزاع المسلح لأسباب إنسانية. ومجموعة مدونات قانون حقوق الإنسان الدولي تبيِّن الخطوط العريضة لحقوق الأشخاص المتأثرين بهذه الأسلحة.

وقامت الامم المتحدة برعاية النهج القانونى المتعلق بقضية الالغام وصدر عنها أتفاقية أوتاوا “الاتفاقية الدولية لحظر الألغام المضادة للأفراد” عن عام 1997 وهي أكثر الاتفاقيات شهرة والتي تفرض حظراً كاملاً على الألغام المضادة للأفراد، وفي ديسمبر 1997، مُنِحَت للحملة الدولية لحظر الألغام الأرضية ولمنسّقها، جودي ويليامز، جائزة نوبل للسلام. وقد دخلت الاتفاقة حيِّز التنفيذ في 1 مارس 1999 لكن لم يوقع على اتفاقية اوتاوا كل من الولايات المتحدة الامريكية وبريطانيا وروسيا والصين وإسرائيل وإيران وليبيا والمغرب والصومال ، ايضاً لم توقع مصر على هذه الاتفاقية- الا انها تقر التزامها بها أنسانيا- وذلك أنها لم تضع فى أعتبارها المتطلبات الأمنية والدفاعية المشروعة للدول ذات الحدود الإقليمية الواسعة والتى تحتاج الى الحماية من العمليات الإرهابية وتجارة المخدرات.

و”الاتفاقية المتعلقة بحظر أو تقييد استعمال الأسلحة التقليدية ” فى عام 1980 وهى الاسلحة التى يمكن اعتبارها مفرطة الضرر أو عشوائية الأثر، وتتكوّن هذه الاتفاقية من خمسة أجزاء أو بروتوكولات. ومن هذه الأجزاء يتعلق جزءان فقط بالأعمال ذات الصلة بالألغام. حيث يتناول البروتوكول الثاني الألغام الأرضية والشراك الخداعية ووسائل أخرى، بينما البروتوكول الخامس الذى دخل حيز النفاذ فى 12 نوفمبر 2006 يتناول مشكلة مخلفات الحرب القابلة للانفجار.

و”اتفاقية الذخائر العنقودية” عام 2008 وهى معاهدة دولية ملزمة تحظر استعمال وإنتاج وتخزين ونقل الذخائر العنقودية ، كما يمثل الاعلان العالمى لحقوق الإنسان الذى صدر فى 10 ديسمبر 1948 مظلة حمائية لحقوق الانسان عامة ،وهناك خمس معاهدات من معاهدات حقوق الإنسان الأساسية تتضمّن أحكاماً ذات صلة بهذه المجالات. وأحدث المعاهدات الدولية لحقوق الإنسان هي اتفاقية حماية حقوق الأشخاص ذوي الإعاقة. وقد فُتح باب التوقيع على هذه الاتفاقية في 30 مارس 2007. ولهذه الاتفاقية أهمية خاصة بالنسبة للأعمال المتعلقة بالألغام وذلك لأنها تبيِّن بالتفصيل حقوق الناجين من الألغام ومخلفات الحرب القابلة للانفجار.

وتتضمن اتفاقيات جنيف وبروتوكولاتها أهم القواعد التي تحدّ من أسوأ آثار الحرب. وهذه الاتفاقيات وبروتوكولاتها الإضافية تحمي الأشخاص الذين لا يشاركون في القتال والأشخاص الذين لم يعد بإمكانهم أن يقاتلوا. وتشمل اتفاقيات جنيف (12 أغسطس 1949) الاتفاقية الأولى لتحسين حال الجرحى والمرضى بالقوات المسلحة في الميدان ، والثانية لتحسين حال جرحى ومرضى وغرقى القوات المسلحة في البحار ، والثالثة وهى المتعلقة بمعاملة أسرى الحرب، والرابعة وهى المتعلقة بحماية الأشخاص المدنيين في وقت الحرب. والبروتوكول الإضافي (الأول) بشأن حماية ضحايا النـزاعات المسلحة الدولية (8 يونيه 1977)، والبروتوكول الإضافي (الثاني) بشأن حماية ضحايا النـزاعات المسلحة غير الدولية (8 يونيه 1977)

وكذا “الاتفاقية المتعلقة بمركز اللاجئين” التي جرى التصديق عليها في 14 ديسمبر 1950 وبروتوكولها الإضافي الذي اعُتمد في عام 1967 يستند إليهما الإطار القانوني لحماية اللاجئين. والمبادئ التوجيهية للأمم المتحدة المتعلقة بالتشرّد الداخلي تُحدّد الحقوق والضمانات ذات الصلة بحماية الأشخاص المشرّدين داخلياً وتوفّر إطاراً يتفق مع قانون حقوق الإنسان الدولي والقانون الإنساني وقانون اللاجئين.

وهناك 15 جهة تابعة للأمم المتحدة ؛ فاعلة فى قضية الالغام للمساعدة والمشورة والتوعية وهى: ادارة عمليات حفظ السلام، وحدة الخدمات المتعلقة بالالغام، مكتب شئون نزع السلاح، برنامج الامم المتحدة للتنمية، برنامج اليونسيف لرعاية الطفولة، برنامج الامم المتحدة للمرأة، برنامج الامم المتحدة للغذاء العالمى ،مكتب خدمات المشروعات، معهد أبحاث نزع السلاح، منظمة الاغذية والزراعة، منظمة الصحة العاليمة، مكتب التنسيق الانسانى، المفوضية العليا لحقوق الانسان، المفوضية العليا للاجئين، البنك الدولى. وفى 8 ديسمبر عام 2005، قررت الجمعية العامة للأمم المتحدة يوم 4 أبريل من كل عام مناسبة عالمية للتوعية والمساعدة من اخطار الالغام.

ومن الدول التى طالها التلغيم حديثا كل من اليمن ولبنان، لبنان طالتها الالغام جراء الحرب الاهلية (1975 – 1990) بنحو 200 الف لغم، اضافة الى تلغيم اسرائيل نحو 37 مليون متر مربع قبيل انسحابها بساعات بعد عدوانها على لبنان عام 2006، ويبلغ عدد الالغام التى تركها العدوان الاسرائيلى اربعة ملايين قنبلة عنقودية تم نشرها عشوائياً بين المنازل والمدارس والحقول الزراعية، واستعملت اسرائيل لتلغيم الاراضى اللبنانية انواع من القذائف التى تُطلقها المدفعية، وتحمل كل قذيفة 88 أو 422 أو 518 قنبلة عنقودية، والقذيفة التى تحمل 88 قنبلة عنقودية يمكن أن تلوث مساحة تصل الى حوالى 22 ألف متر مربع ، وذلك اضافة الى قنابل ومقذوفات اليورانيوم المنضب بتداعياتها على البيئة والتربة والمياه الجوفية فى مناطق أخرى.

أما حالة مصر فأنها حالة استثنائية قديمة ومتجددة، وتضرب ارقاما قياسية فهى من اقدم دول العالم المتضررة من الالغام 70 عاماً ومن أكثرها بعدد 23 مليون لغم ما يجعلها فى المركز الاول تضررا دون منازع بمعدل فائق وهو لغم لكل ثلاثة افراد، بينما هى المركز الخامس من حيث عدد الالغام بالمتر المربع، ويمثل عدد الالغام فى مصر ما يزيد عن 20 % من إجمالي الألغام المزروعة في العالم، ومنها حوالي 17,2 مليون بمنطقة العلمين بالصحراء الغربية، وتمتد على مساحات تقدر بحوالى 22% من مساحة مصر.

بدأت زراعة الالغام فى مصر على أيدى اطراف الصراع فى الحرب العالمية الثانية (1939 – 1945) ونتيجة المعارك ما بين القوات البريطانية من جهة والقوات الالمانية والايطالية من جهة أخرى مابين عامى 1940 و1943 فى صراعهما للسيطرة على شمال أفريقيا، وهى المعارك التى وقعت فى مناطق ممتدة على الساحل الشمالى الغربى الى ما بعد الحدود مع ليبيا، أما سيناء فقد تعرضت للتلغيم على خلفية الصراع مابين مصر واسرائيل خلال الفترة ما بين عامى 1956 و 1973.

وخلفت الحرب العالمية الثانية فى منطقة الساحل الشمالى الغربى 17.5 مليون لغم تحتل مساحة تزيد على 250 ألف فدان صالحة للزراعة ما بين ألغام مضادة للأفراد يتراوح وزنها بين 7 – 15 كجم، وألغام مضادة للمركبات يزيد وزنها عن 15كجم، وألغام مضادة للدبابات يزيد وزنها 50كجم وتصل في بعض الأحيان لـ200 كجم.، كما خلفت الحروب مع إسرائيل نحو 5.5 مليون لغم في سيناء والصحراء الشرقية. وتنتشر هذه الالغام في منطقة الصحراء الغربية، وهي أراض زراعية يمكن زراعتها وتصلح لتوفير القمح لكل مصر، وتقع ما بين مدينة “برج العرب” شمال مصر التي تقع في الكيلو 34 من طريق إسكندرية- مطروح الساحلي، حتى “الواحات البحرية” بمحافظة الجيزة جنوب مصر، ومنها “جنوب العلمين”

وقامت القوات المسلحة المصرية بتطهير 3 مليون لغم خلال الفترة من عام 81 وحتى 93 ثم توقفت بعد ذلك لعدم وجود اعتمادات كافية، ثم عادت القوات المسلحة المصرية منذ عام 1995 في إزالة ما يقرب من 1,2 مليون لغم وانتهت من تطهير مساحة 95 الف فدان تم تسليمها للأجهزة المعنية حتى يقام عليها مدينة مليونية فى العلمين، وتستهدف القوات المسلحة تطهير نحو 1.250 مليون فدان.

وتواجه عمليات ازالة الالغام فى مصر من صعوبات تتراوح ما بين التمويل وتلك المتعلقة بالظروف المناخية والطبيعية والفنية نظرا لقدم الالغام وعمق دفنها وتراكم الرمال والطمى عليها وانتقالها بفعل الرياح والرمال، كما يتواجد بعضها فى مناطق غنية بالمعادن بما يعطى مؤشرات خاطئة باجهزة الكشف عنها، فى ظل ضعف التمويل من الدول وأكثرها مسئولية أن لم تكن قانونية، تظل على مسئولية اخلاقية وانسانية لايمكن انكارها وهى بريطانيا والمانيا وايطاليا، اضافة الى الدول المانحة كا الاتحاد الاوربى واليابان، ومصر على علاقات تنسيق وتعاون مع تلك الجهات الا أن النتائج تظل دون المأمول.

وأدى تواجد تلك الألغام والأجسام القابلة للانفجار إلى العديد من المشاكل الاقتصادية والاجتماعية لمصر حيث تسبب وجود الألغام في عدم استفادة مصر على مدى أكثر من 60 عاما من مناطق واعدة مزروعة بالألغام وتوقف استصلاح حوالي مليون فدان صالحة للزراعة وعرقلة تنفيذ العديد من المشروعات القومية ، كما أن المنطقة المزروعة بالألغام وخاصة منطقة الساحل الشمالي الغربي؛ تتمتع بثروات بترولية وتعدينية هائلةمن البترول و ألغاز الطبيعي كما يتوافر بالمنطقة مخزون كبير من المعادن ، وتمثل المنطقة التي تتركز بها الألغام أحد مراكز الجذب السكاني والخروج من الوادي الضيق وخلق مجتمع تنموي جديد بين الإسكندرية ومطروح، كما تعيق الألغام إمكانية الاستفادة من القدرات السياحية الهائلة المتوفرة بالمنطقة، والتي توفرها المحميات الطبيعية والطبيعة المعتدلة للمناخ، بالإضافة إلى سياحة الصحاري والواحات.

ويؤكد خبراء سياسيون وقانونيون أن مصر تخسر مليارات الدولارات من جراء استمرار أزمة زرع ملايين الألغام في حقول ألغام في الصحراء الغربية منذ الحرب العالمية الثانية التي تعطل زراعة 3 ملايين فدان وتحرم مصر من استخراج نحو 600 مليون طن من الثروات المعدنية إضافة إلي 13.4 تريليون قدم من الغاز الطبيعي و4.8 مليارات برميل بترول تقدر بمليارات الدولارات.

كما أن هناك بعدا إنسانيا هاما لمشكلة الألغام في مصر حيث تسببت في إحداث وفيات وإصابات بالغة لأهالي المناطق المتضررة. وتشير البيانات إلى أن إجمالي الخسائر البشرية منذ عام 1982 في نطاق الصحراء الغربية بلغت 8313 فرد منهم 696 قتيل و 7617 جريح مصاب بجانب وجود الكثير من الحالات غير المسجلة.

ومنذ عام 1983 ؛ بدأت مصر نشاطا ملحوظا فى مجال الاهتمام بقضية الالغام، بعقد مؤتمرات وندوات و دعوة وفود دولية للأطلاع على القضية، مع اقامة ورش عمل وادراج التوعية بقضية الالغام تعليميا فى المناطق المتضررة، وتوفير اجهزة تعويضية للحالات المصابه، لكن كل ذلك لم يأتى بالمأمول تخلصا من الالغام وفى عام 2000 قامت بعثة من الامم المتحدة بزيارة مصر لتقييم مشكلة الألغام وأوصت بإنشاء صندوق ائتمان بالاشتراك مع الأمم المتحدة.

وقامت مصر بأنشاء “اللجنة القومية للإشراف على إزالة الألغام” برئاسة وزيرة التعاون الدولي والتي تم تعديل اسمها عام 2002 إلى “اللجنة القومية للأشراف على إزالة الألغام وتنمية الساحل الشمالي الغربي” وقامت اللجنة بإنشاء صندوق ائتمان بالاشتراك مع البرنامج الإنمائي للأمم المتحدة وتم اعتماد خطة لتنمية الساحل الشمالي الغربي حتى عام 2022 بإجمالي استثمارات تصل إلى 60 مليار جنيه مصري.

وعلى خلفية مآسى الالغام مصرياً وعربياً ؛ بادرت نخبة وطنية مجتمعية فى عام 2009 بإنشاء أول منظمة غير حكومية تطوعية فى خدمة ضحايا الالغام وهى”الجمعية العربية لخدمة المناطق المضارة من الألغام” واشار مجدى دياب رئيس الجمعية والعضو المراقب بمنظمة الصحة العالمية أن ضحايا الألغام في مصر خلال خمسون عاما بلغ ألف قتيل و8000 بين جريح ومعاق، وعلى مدار سبعة عقود كاملة عجزت خلالها الحكومات المتعاقبه عن إدارة ملف الألغام، الأمر الذى دعانا لانشاء الجمعية، سعيا بشتى الطرق لإحياء هذا الملف القومى، وطرحنا قضية الالغام اعلاميا، كما وقعنا بروتوكول تعاون مع جامعة القاهرة عام 2011 بما تملكه من خبرات علمية وبحثية لإيجاد الحل الأمثل للقضاء على هذا الخطر، وفى عام 2010 أعلنت منظمة الصحة العالمية عن رعايتها مشروع الجمعية لإنشاء مركز إقليمى لخدمة مصر والمنطقة العربية والافريقية ويتم من خلاله رعاية الضحايا وتوفير الاجهزة التعويضية والتوعية والمتابعة لأعمال التطهير، وتم الاستقرار على مقر المركز فى العلمين الذى خصصت له محافظة مطروح مساحة 5 أفدنة، وما زال هذا المركز بمثابة الحلم الذى نسعى لتحقيقه، وفى عام 2010 عقد جامعة الدول العربية مؤتمرها عن الالغام فى الوطن العربى ؛ وانتهى المؤتمر الى التوصية بإنشاء المركز الاقليمى لخدمات المتضررين من الالغام، وترى الجمعية أن مصر بتفعيلها خطة تطهير وتعمير وبناء مدينة العلمين الجديدة ما يمثل نقله نوعية كبيرة لتطهير مصر من الالغام.

وتمثل استراتيجية أنشاء مدينة العلمين الجديدة طفرة حقيقية فى مسار تعامل مصر مع قضية الالغام الا أن هذا القرار لم يلقى تفعيلا جادا على الارض الا مؤخرا ، وكان قد أصدر الرئيس الاسبق حسنى مبارك القرار الجمهورى رقم 304 لسنة 2010، والذى يقضى بإنشاء مدينة العلمين الجديدة، على مساحة 70 ألفًا و293 فدانًا بالساحل الشمالى الغربى، لكن الكثير من المعوقات حالات دون إنشائها، وعلى رأسها تداخل مسطحها بين وزارات الزراعة والبيئة والإسكان والدفاع، وبعض مراكز وقرى محافظة مطروح التى تتنازع على مساحة 26 ألف فدان.

وجاء القرار الجمهورى رقم 114 لسنة 2014 للرئيس السابق عدلى منصور، بتعديل القرار الجمهورى رقم 304 لسنة 2010 ؛ بما يحسم الموقف لصالح انشاء مدينة العلمين وليحىى الأمل من جديد بخلق ظهير عمرانى لمناطق الكثافات السكنية لمحافظات غرب الدلتا، وشمال الصعيد لتستوعب المدينة الجديدة نحو 30 مليون نسمة خلال الأربعين عامًا المقبلة، وفى نوفمبر 2015 أصدر الرئيس عبد الفتاح السيسى تعليماته الى وزارة الإسكان والجهات الاخرى المعنية بضرورة الإسراع فى بإعداد المخطط الاستراتيجى وتنفيذ القرار، واستبعاد المساحات المتنازع عليها وزيادة مساحة مدينة العلمين الجديدة لتصل إلى 88 ألفًا و500 فدان. على أن تكون بداية لتنمية الساحل الشمالى الغربى. وبالفعل بدأت شركة المقاولون العرب بوضع الشبكة الرئيسية للطرق بينما تقوم وزارة الكهرباء بمد أعمدة الضغط العالى.

 

شاهد أيضاً

منطقة باسارغاد نصب يجسد القيم وغضب الشعب الإيراني  

كتب  عبدالمجيد محمد  – محامي : سمّى الشعب الإيراني يوم 29 أكتوبر-تشرين الأول يوم ”كوروش الكبير“ حيث ...