اليوم الخميس 23 نوفمبر 2017 - 7:41 صباحًا
الرئيسية / مقالات / الديكتاتور “بارك تشانج هي” و رحلة كوريا الجنوبية من القاع الي القمة (22 مارس 1962 – 26 أكتوبر 1979) .. بقلم : حسن الهامى

الديكتاتور “بارك تشانج هي” و رحلة كوريا الجنوبية من القاع الي القمة (22 مارس 1962 – 26 أكتوبر 1979) .. بقلم : حسن الهامى

hasan elhame

كوريا الجنوبية بمثابة فيلم مثير عنوانه “رحلة مجتمع من محطة التخلف الي محطات التقدم” ، رحلة دولة فقيرة لاتملك اي موارد ، رحلة دولة كان مواطني شعبها يحلقون شعورهم الناعمة ليبيعوها باروكات للاغنياء ، رحلة دولة تعرضت لاحتلال ياباني دموي وحشي  ، ثم تعرضت الدولة لحرب اهلية طاحنة مدمرة ، وتداعيات حرب ضروس بدعم من قوي دولية ؛ وقسمت البلاد الي الدولتين الكوريتان ، دولة عانت من حكم استبدادي ذو قبضة حديدية ، وهاهي كوريا الجنوبية اليوم تقدم نموذج لدولة متطورة وغنية وتنعم بحياة ديمقراطية ومستوي تكنولوجي وتعليمي وعلمي راقي.

حققت كوريا الجنوبية نموًا اقتصاديًا سريعًا خلال النصف الثاني من القرن العشرين ما سمح لها بتحقيق تنمية شاملة، فقد استطاعت خلال خمسون عاما من بناء اقتصادها وصناعتها، بعد عقود من الاستعمار الياباني وسنوات من حرب مدمرة مع جارتها الشمالية. وبحلول القرن الحادي والعشرين أصبحت كوريا قوة اقتصادية وتجارية وصناعية وتكنولوجية لتسطر بذلك واحدة من أنجح قصص التنمية في عصرنا الحديث

تتسم منطقة شبه الجزيرة الكورية لالاف السنين بالتجانس السكاني و وحدة واستقلال اراضيها ، وفي عام 1905 ، بدأ يطرأ علي شبه الجزيرة تغيرات سياسية و ديموغرافية حيث وُضعت شبه الجزيرة الكورية ، تحت حماية القوة اليابانية المتعاظمة ، وفي عام 1910، أصبحت المنطقة خاضعة للاستعمار الياباني لمدة 36 سنة. وفي عام 1945 حصلت كوريا على استقلالها بعد هزيمة اليابان في الحرب العالمية الثانية على يد الحلفاء.

ومباشرة بعد استقلالها، أصبح شبه الجزيرة الكورية مسرحًا للصراع بين المعسكرين الغربي والشرقي، فتم تقسيم كوريا إلى دولتين: واحدة في الشمال خاضعة للقوات السوفيتية، وأخرى في الجنوب تابعة للقوات الأميركية. وفي عام 1948، تم انتخاب “سينغمان ري” ليكون أول رئيس لدولة كوريا الجنوبية، في حين تأسست دولة شيوعية بالشمال، وبحلول منتصف 1949 انسحبت القوات الأميركية والسوفيتية من الدولتين.

كانت كوريا الجنوبية حين تأسيسها واحدة من أفقر دول العالم؛ حيث لم يكن دخل الفرد فيها يتعدى 80 دولارًا في السنة، وكانت تعاني من دمار اقتصادي وفوضى سياسية، وبعد التقسيم ساءت الحالة الاقتصادية أكثر بسبب توقف النشاط الاقتصادي والتجاري الذي كان مترابطًا بين الشطرين. وجاءت الحرب الكورية سنوات 1950-1953، لتُلحق دمارًا واسعًا شمل كل القطاعات بالجنوب ، فقد دمرت الحرب كثير من البنية التحتية والوحدات السكنية وشبكة السكة الحديدية والطرق والقناطر ومحطات توليد الكهرباء.

إضافة إلى ذلك ألحقت الحرب دمارًا واسعًا بالبنية الصناعية؛ وتراجع الإنتاج الصناعي وإنتاج الأرز . وخلّفت الحرب أيضًا خسائر بشرية كبيرة قُدرت بحوالي 1.3 مليون كوري جنوبي، من بينهم حوالي 400.000 ألف قتيل. ومع انتهاء الحرب، تراجع دخل الفرد إلى حوالي 50 دولارًا سنويًا، وأصبحت كوريا تعيش على المساعدات الخارجية بشكل كامل، ودخلت البلاد في مرحلة من الاضطرابات الاقتصادية والسياسية.

وفي عام 1960 قامت حركة (19 أبريل) الطلابية بتنظيم مظاهرات ضخمة تسببت في استقالة رئيس الجمهورية الرجل العسكري الذي تولى الحكم منذ عام 1948. وقد طالبت المظاهرات بالديمقراطية وأن يعود قرار اختيار الحكام للشعب الكوري الجنوبي ، واستجابة لذلك ؛ اجريت انتخابات ديمقراطية أتت بـ “يون بي سيون” أول رئيس مدني في كوريا الجنوبية، إلا أن عهده تميز بالضعف الشديد في ادارة الدولة ، كما فشل في تشكيل الحكومة بسبب الخلاف الكبير بينه وبين أعضاء البرلمان.

تنازعت الأطراف السياسية مع بعضها البعض وفشلت في ملأ الفراغ السياسي في الدولة، فقام العقيد “بارك تشانج هي” في مايو 1961 بتشكيل ما سمي بالمجلس الثوري العسكري مع بعض القيادات الشابة من الجيش، وقاموا بانقلاب عسكري اختاروا على أثره قائد الجيش “تشانج دويونج” رئيسا للبلاد. ولكن رئيس البلاد الجديد لم يلبث أن يمر شهرين حتى قُبض عليه وتم احتجازه، وتعيين العقيد “بارك” رئيسا للمجلس العسكري لقيادة الثورة وترقيته الي رتبة فريق .

وأجبر المجلس الثوري العسكري والذي يرأسه “بارك”، رئيس الجمهورية “يون بي سيون” على الاستقالة من منصبه في مارس 1962 في انقلاب عسكري، وأصبح “بارك” هو المنوط به القيام بمهام رئيس الجمهورية لحين عقد انتخابات جديدة وقام “بارك” بتشكيل “الحزب الجمهوري الديمقراطي” وتم اختياره لتمثيل الحزب في انتخابات الرئاسة، والتي نافسه فيها الرئيس المعزول “يون بي سيون”، وفاز “بارك” بفارق 185 ألف صوت مثلوا 1.5% فقط من أصوات الناخبين..

وعد “بارك” الشعب الكوري بأنه سيحترم الدستور الكوري الجنوبي، وأنه في حالة فوزه في المرة الثانية لن يترشح مرة ثالثة. ولكن “بارك” أجرى تعديلات دستورية سمحت له بالترشح للمرة الثالثة مخلفا وعده واستخدمت أجهزة الأمن وقتها كل الوسائل لقمع المظاهرات التي خرجت ضد استمرار “بارك” في السلطة وسيطر الحزب الجمهوري الديمقراطي علي الحياة السياسية في كوريا الجنوبية.

وفي عام 1971 ؛ أعلن “بارك” حالة الطوارئ بعد فوزه على منافسه في الانتخابات ، وقرر حل المجلس التشريعي الكوري وكتابة دستور جديد للبلاد. سمي باسم: “دستور يوشين”. ألغى فيه التصويت الحر المباشر لانتخاب رئيس الجمهورية وجعله عبر ما أسماه “المؤتمر الوطني”، كما أنه جعل مدة الرئاسة ست سنوات قابلة للتجديد مدى الحياة، وأعطى لرئيس الجمهورية الحق في هذا الدستور في تعطيل الحقوق الدستورية، ولرئيس الجمهورية الحق ايضاً في اختيار ثلث أعضاء المجلس التشريعي

بالرغم من أن عهد “بارك” في بدايته بدأ بانتعاشة اقتصادية وبناء البنية التحتية في كوريا، إلا أن الفساد ضرب في البلاد مدعوما بالشبكة الأمنية القوية التي كانت تحكم سيطرتها. وزادت المظاهرات في الشوارع الكورية وقدر بعضها في عام 1979 بعشرات الآلاف. وفي اكتوبر 1979 ؛ قام رئيس المخابرات الكورية وأحد أعضاء المجلس الثوري العسكري وواحد من العقول التي دبرت للانقلاب العسكري “كيم جاي جيو” باغتيال “بارك” بعد أن رأى أن سياسات بارك وسياسات الحزب الجمهوري الديمقراطي أصبحت عقبة حقيقية أمام الديموقراطية ولذلك قرر التخلص منه. حُكم بعد ذلك بعدة أسابيع على كيم وكل من عاونه في تنفيذ عملية الاغتيال بالاعدام.

منح “بارك ” للتنمية الاقتصادية أولية كبرى، حيث كانت كوريا تعاني من نقص حاد في نسبة الادخار وتراجع كبير في حجم المساعدات الخارجية فأنشأ “بارك” لمواجهة هذه التحديات بنوكًا حكومية وأمّم البنوك الخاصة للتحكم في القروض وتوجيهها وفق ما تقتضيه الخطط التنموية، وغيّر استراتيجية التنمية الاقتصادية من استراتيجية الإحلال محل الواردات إلى أخرى تعتمد على اقتصاد موجه نحو الصادرات. وكان هذا التحول ضروريًا للحصول على العملة الصعبة لشراء المعدات والتكنولوجيا التي يحتاجها قطاعه الصناعي الناشئ، وبالتالي تسريع عملية التصنيع وتحقيق استقلال تام.

كما ركن “بارك” إلى سياسة التخطيط المركزي؛ حيث أطلق المخطط الخماسي سنة 1962، وأنشأ مؤسسة جديدة تحمل اسم مجلس التخطيط الاقتصادي للإشراف على التخطيط وتنفيذ المخططات. وكان الهدف المعلن من المخطط الأول هو تحقيق نمو اقتصادي يبلغ 7.1% خلال السنوات 1962-1966 عبر تأمين مصادر الطاقة وتحسين البنية التحتية وتحسين ميزان المدفوعات الخارجية عن طريق زيادة حجم الصادرات. وارتفع الناتج الإجمالي المحلي من 4.1 % سنة 1962 إلى 9.3% سنة 1963 وحافظ النمو على معدل يزيد عن 8% في السنوات التالية.

عمل “بارك” أيضًا على تقوية دور الشركات العملاقة وتسخيرها لخدمة الأهداف التنموية. وكانت هذه الشركات ضعيفة ولا تستطيع أن تصنع منتجات كثيفة رأس المال من دون المساعدات التي تقدمها الدولة. وقد اشترطت الدولة أن تحقق هذه الشركات أداء اقتصاديًا ناجحًا والاستثمار في مجالات اقتصادية وصناعية جديدة في إطار ما ترسمه الدولة من مخططات، والتعاون الوثيق مع الحكومة، كشروط أساسية لتلقي الحماية من الدولة والعديد من الامتيازات التي تشمل المساعدات المالية والتمويلات التفضيلية وضمان الدولة للقروض الخارجية والحماية من اتحادات العمال.

وبفضل هذه الإجراءات تمكنت الشركات العملاقة من المشاركة في مخططات التنمية الاقتصادية وسياسة التصنيع التي رسمتها الدولة، واستهدفت في البداية الصناعات الخفيفة مثل الإسمنت والأسمدة والكهرباء. ونتج عن هذا التعاون توسع كبير للشركات ونمو كبير في حجم الصادرات الكورية من الصناعات الخفيفة، خصوصًا النسيج والملابس الجاهزة.

حكم “بارك” بقبضة من حديد ؛ وظل في الحكم 16 عامًا حتي اغتياله في 26 أكتوبر عام 1979 وبينما يرجع إليه الفضل في النهضة الاقتصادية الشاملة التي شهدتها كوريا الجنوبية من تصنيع ونمو صناعي سريع نتيجة قراره باتباع سياسة التصنيع للتصدير الا ان فترة حكمه ظلت مشوبه بظلال ديكتاتورية ، وفي عام 1999، أعلنت مجلة تايم عن اسمه كواحد ضمن أفضل عشرة “آسيويين في القرن العشرين” .

ورغم نجاح حملة “بارك” للارتقاء بالاقتصاد الكوري محدثا ما اطلق عليه (معجزة على نهر هان كانج) ، الإ أن الشعب الكوري رفض الاستكانة لحكم الفرد الأوحد، مواصلا حملته لنيل الحرية والديمقراطية حتي نجح فى عام 1987 فى اقرار تعديلات دستورية تتيح اجراء انتخابات حرة. وقد واجه “بارك” كثير من الاعتصامات والاضرابات والتظاهرات العمالية الفئوية، المطالبة بتحسن الأجور والمكافأت واستغلال الارتفاع الوضح فى الاقتصاد الوطني، ليواجه الرئيس هذه الاحتجاجات بالعنف المفرط، لتنتقل الرئاسة عن طريق الصندوق الانتخابي فى عام 1992، في مشهد أصبح طبيعيا فى الدولة الكورية الجنوبية.

قابل “بارك” الاحتجاجات الطلابية المتزايدة باساليب أكثر قمعية واستبدادية من أي وقت مضى. وفرض حالة الطوارئ وحل البرلمان وعلق الدستور وعرض امام الشعب دستورا جديدا اتاح سلطات واسعة للرئيس في سبيل اجراء اصلاحات اقتصادية واسعة وزاد من مدة الرئيس الي 6 سنوات بدلا من 4 سنوات وفي عام 1975 ، اصدر مرسوما بأنه لايجوز انتقاد الرئيس أو الحكومة مما اتاح له الفرصة لاعتقال وسجن خصومه السياسيين، وقد تسببت هذه الخطوة في اثارة الاحجاجات الطلابية .

وفي خلال كلمة القاها في المسرح الوطني في سيول في 15 أغسطس عام 1974، واجه بارك محاولة اغتيال من قبل احد المتعاطفين مع كوريا الشمالية مما ادي الي مقتل زوجته ، لم يتواني بارك عن قمع معارضية ، وقمع المتظاهرين بالقوة المفرطة ، وفي 26 اكتوبر 1979 قام مدير المخابرات الكوري الجنوبي باغتيال بارك واربعة من حراسه الشخصيين وقد خيم غموض علي الاسباب ومن بينها ان بارك حاول التدخل لفض نزاع شخصي بين مدير مخابراته لصالح احد رجال الاعمال ، وتردد ان اقدام مدير المخابرات علي قتل بارك نتيجة خطاب لبارك قال فيه انه مستعد لاخماد الاحتجاجات وان كلفه ذلك التضحية بـ 30 الف كوري.

لكن حتى هذه اللحظة، يبقى “بارك” محور للجدل حيث انقسمت الآراء حوله بين من يشهد ويشيد بدوره القيادي الرائع والعظيم في بناء كوريا الجنوبية وإحيائها من جديد بعد الحرب الكورية الشنعاء، وبين من يدين سياساته الديكتاتورية الاستبدادية المقيدة للحريات، خاصة ما اتخذه من قرارات وما اتبعه من سياسات في فترة ما بعد 1971

وفي فبراير عام 2013 ، يبدو نجاح بارك الاقتصادي كان بمثابة كارت تعزيز لانتخاب “بارك غيون هاي” رئيسة لكوريا الجنوبية، لم يحول كونها ابنه الديكتاتور السابق بارك ، لتصبح أول امرأة تصل إلى سدة الرئاسة في هذا البلد الآسيوي، والتي تعهدت بعصر من “السعادة والامل” فالاب بارك ارتبط تاريخا في ضمير الكوريين بطفرة نجاح اقتصادي غير مسبوقة.

ومع بداية السبعينيات، واجهت كوريا تحديًا جديدًا يتمثل في المنافسة الشرسة مع دول صاعدة استطاعت تطوير صناعاتها الخفيفة مما فرض على كوريا التحول نحو استراتيجية مغايرة تهدف إلى إنشاء قطاعات جديدة تستطيع المنافسة على الصعيد العالمي. وجاء المخطط الاقتصادي الخماسي الثالث ليعطي الأولوية لإنشاء الصناعات الكيماوية والثقيلة. ولإنجاز هذا المخطط تم إنشاء العديد من مدارس التكوين المهني ومعاهد تكوين المهندسين والعلماء، وألزمت الدولة الشركات الصناعية الكبرى بتدريب مستخدميها.

وتم تركيز جهود الدولة وتسخيرها لتطوير هذه الصناعات حيث تم إنشاء لجنة لتطوير الصناعات الكيماوية والثقيلة، وأنشئ صندوق الاستثمار الوطني للإشراف على الاستثمارات في هذا القطاع الذي عرف ارتفاعًا كبيرًا. واستفادت صناعات مثل بناء السفن والبتروكيماويات والصلب من إعفاء ضريبي كامل خلال السنوات الثلاث الأولى، وتكفلت الدولة بتجهيز المناطق الصناعية وربطها بشبكة الطرق والماء والكهرباء. وبحلول 1992، حققت هذه الصناعات نجاحًا كبيرًا في الأسواق الخارجية . وحافظت كوريا على معدلات نمو مرتفعة حيث ركزت خلال فترة الثمانينيات وبداية التسعينيات على الاستثمار بكثافة في البحوث والتطوير وعملت على تطوير قدراتها التكنولوجية وتحسين تنافسية منتجاتها، مع الانفتاح على الخارج وتحرير سوقها المالي.

وفي سنة 1997، انهار الاقتصاد الكوري بعد الأزمة المالية الآسيوية وواجهت كوريا تحديًا هو الأكبر من نوعه؛ فقد تراجعت أرباح الشركات إلى الصفر وارتفعت ديونها وانهار قطاع الصادرات والنظام المالي للدولة الكورية وغادرت الاستثمارات الأجنبية البلد. وبروح الانتماء تقدم الكوريون بمبادرة ذاتية بالتبرع بالذهب والمجوهرات لصالح الدولة ، ولتجاوز الأزمة تخلّت الدولة عن دورها التنموي وأدخلت إصلاحات لتحرير اقتصادها وتحويله لاقتصاد السوق، واستطاعت كوريا أن تتعافى بفعل تنشيط قطاع الصادرات عبر تخفيض قيمة العملة الكورية وحزمة الإصلاحات المالية التي أدخلتها الحكومة، ناهيك عن حزمة الحوافز التي أطلقتها في مرحلة ما بعد الأزمة. ثم واصلت كوريا تقدمها، وبدأت تراهن على تكنولوجيا المستقبل خصوصًا تكنولوجيا المعلومات والتكنولوجيا الخضراء، لمواصلة نموها وتقدمها نحو القرن الحادي والعشرين.

وقد لعبت اليد العاملة الكورية دورًا حاسمًا في إنجاح التجربة التنموية الكورية، ففي ظل غياب الموارد الطبيعية وضيق المساحة الجغرافية وشُح رأس المال، راهنت القيادة الكورية على رأس المال البشري كمورد للتنمية. فاستثمرت بكثافة منذ البداية في التعليم ومدارس التكوين المهني، لتطوير إنتاجية عمالها وتحسين مهاراتهم لمواكبة التطورات التكنولوجية التي واكبت عمليات التصنيع السريع. وهكذا ارتفعت نسبة الإنفاق على التعليم الي حوالي 23 % من الميزانية بحلول الثمانينيات. كما أولت الدولة التدريب والتكوين المهني اهتمامًا كبيرًا مع التركيز على العلوم والتكنولوجيا، وعملت الدولة على ابتعاث عدد كبير من الطلبة والموظفين للدراسة والتدريب.

وبالإضافة إلى المستوى التعليمي والمهني، كانت ظروف العمل جد مجحفة، فقد أصدر “بارك” أمرًا بمنع الإضرابات وحظر كل النقابات العمالية ومنع العمال من التنظيم تحت أي إطار كان أو التفاوض بصفة جماعية، ووجدت الطبقة العاملة نفسها تعمل لساعات أطول حيث كانت ساعات عمل الأسبوع في القطاع الصناعي تزيد بـ 13 ساعة عن نظيرتها في اليابان و6 ساعات عن مثيلتها في تايوان بحلول عام 1986.

و يمكن القول إن كلفة التعليم بالنسبة إلى الأسرة الكورية الجنوبية ليست بسيطة، لكنها في الوقت نفسه ليست مرتفعة بصورة تجعل المواطن العادي غير قادر على توفير فرصة التعليم الملائمة لأطفاله. وينبع الاهتمام بالتعليم في كوريا من الفلسفة الكونفوشيوسية التي تقول إن التعليم هو المفتاح الوحيد للنجاح في المستقبل والحاضر. وهناك مذهب مثالي يقول إن هدف التعليم هو استفادة كل الجنس البشري.. وما زالت هذه التقاليد قائمة في الحياة الاجتماعية للشعب الكوري..

 

 

 

 

شاهد أيضاً

من خواطرى : كلام شباب .. بقلم: منى حسن

كنت قاعدة مع مجموعة شباب يعني فى حوالى تلاتينات .. عشرينات … كان واحد منهم, ...