اليوم الجمعة 24 نوفمبر 2017 - 2:22 صباحًا
الرئيسية / مقالات / سعادة البشرية : الواجبات قبل الحقوق والمسئوليات قبل الحريات .. بقلم : حسن الهامى

سعادة البشرية : الواجبات قبل الحقوق والمسئوليات قبل الحريات .. بقلم : حسن الهامى

hasn

غاندي «أن المصدر الحقيقي لكل الحقوق هو الواجب. فإذا قام كل منا بواجبه فإن الحقوق سوف تتوطد من تلقاء ذاتها. فالعمل هو الواجب، والحق هو ثمرته»

خلق الله الانسان و وهبه مكانته ومكانه بمجرد وجوده؛ ملكاً وليس مملوكاً، سيداً وليس عبداً، حراً وليس اسيراً، ملكاً على الارض، وسيداً على ارادته، وحراً فى قراره، عليه ما عليه من مسئوليات و واجبات، وله ما له من حريات وحقوق، فى توازن واتزان بما يحقق عمارة الارض، وبناء علاقات التواصل الانسانى دون ضرر و لاضرار، ومن بين كل المخلوقات؛ اصبح الانسان بحكم العقل والمنطق هو المخلوق الوحيد المنوط به مسئوليات و واجبات، بينما سائر المخلوقات الاخرى بحكم دونية العقل والمنطق لها ما لها من حقوق دون واجبات.

وبتطور علاقات البشر وتداخلها وتشابكها ، افراداً ومجتمعات، حكاماً ومحكومين، وبدت علاقات الاستغلال من الانسان للأنسان؛ والاساءة من الأنسان للأنسان، مما حدى بالمجتمع الدولى الى وضع أطر انسانية للعلاقات فيما بين البشر بما يحافظ على حريات وحقوق الانسان قبل الانسان، لكن ذلك لايعنى اطلاقا ان الانسان بات دون مسئوليات و واجبات قبل الانسان والانسانية ومحيطه وبيئته وسائر المخلوقات الاخرى بنطاقها المحدود واللامحدود. وجاء فى مقدمة اعلان الاستقلال الامريكى الصادر فى 4 يوليو 1774 :” ان البشر جميعهم خلقوا متساوين وجميعهم أيضا ممنوحين من خالقهم حقوقاً لا يمكن لأحد التصرف بها ومن ضمنها: الحياة والحرية والعمل لتحقيق السعادة.

وفى عصرنا هذا؛ أسفرت تجربة الحرب الوحشية بين دول الحلفاء ودول المحور خلال فترة الحرب العالمية الثانية 1939 1945 عن تضافر المجتمع الدولى والقيام بـالاعلان العالمى لحقوق الانسان فى 10 ديسمبر 1948 فى نموذج انسانى رائع لاقرار حريات الانسان وحقوقه، الا ان الاحداث التالية؛ أظهرت أن الانسان فى مطالباته بحقوقه قد اغفل ما عليه من واجبات، بل ان اعلان حقوق الانسان قد أدى الى توسيع الفجوة وليس تجسيرها فى طبيعة العلاقة بين الحاكم والمحكوم، وبين الحكومة والمواطن، قدم الاعلان صورة ان هناك تعارض مابين مصالح الحكومات مع مصالح المواطنين مما ادى الى احداث صراعات لم ولن تنتهى ابدا فى اى مكان فى العالم، وبخاصة فى الدول النامية التى تعانى من الفقر والجهل والمرض، بينما اعلان حقوق الانسان يفرض فرضا نظريا بان للانسان الحق فى ان يعيش فى رفاهه ويتوفر له الحق فى السكن والطعام والتعليم والصحة والعمل والمساواة فى الاجور، وله الحق فى الانتقال من دولة الى أخرى، وكل ومثل ذلك يتناقض مع واقع الحياة فى داخل كل دولة على حدة خاصة الدول الفقيرة الا اذا كانت هناك حكومة عالمية توفر ذلك للانسان كمواطن عالمى، وهذا لم يحدث ابداً. واذا كان اقرار الواجبات يكتنفه مخاوف من تغول الحكومات، فأن اقرار الحقوق منفردة يكتنفه حقائق فوضى المطالبات. واحداث التوازن فى اتفاق على عهد جديد يعلى من الحقوق باقرار الواجبات، فتتحقق الحقوق تلقائيا ومنطقيا.

ويبدو أنه منطقيا يجدر مراجعة ما جاء فى اعلان حقوق الانسان 1948 ليكون واضحا مسئولية الدول الاكثر ثراء قبل مجتمعات الدول الاكثر فقرا، وليكون واضحا أن اعلان حقوق الانسان فى مواده الثلاثون لم تتضمن حقوقا دون واجبات ؛ ففى كل حق واجب، ومع كل واجب حق، ولاشك ان الواجبات والحقوق اذا ما كانت تقتصر على جوانب مادية دون جوانب معنوية، فذلك اغفال لانسانية الانسان اخلاقا وثقافة وجمالا؛ بل أن اعلان حقوق الانسان قد تمت اساءة استخدامه من قبل دول كبرى بالتدخل فى شئون دول نامية ؛ كما تم اساءة تأويله فى بعض الدول والمجتمعات مما فتح ابواب جهنم على كل المجتمعات النامية دون استثناء، بينما اكتفت الدول الغنية ثقافة وعلما وعملا بموقف المتفرج أو المحرض بينما يرى نيران الحقوق تلهب وتحرق الاخضر واليابس فى مجتمعات الدول النامية دون ان تمد يد العون الا بتشجيع الجماعات والمنظمات الحقوقية دون ان تلفت النظر أو التنبيه بأن الحقوق يسبقها واجبات، وان الحقوق تتطلب تقدير ظروف، وان العلاقات بين الحكومات ومواطنيها ليست دائما علاقات تضاد واختلاف بل يمكن ان تكون علاقات شراكة واتفاق أو توافق.

وصار غريبا أن يختزل تاريخ حقوق الانسان فى وثيقة الاعلان العالمى لحقوق الانسان بثلاثين مادة من الحقوق، دون مادة واحدة صريحه عن الواجبات سوى فى فقرة من المادة 29 ونصها: على كل فرد واجبات نحو المجتمع الذي يتاح فيه وحده لشخصيته أن تنمو نمواً حراُ كاملاً. وحول بعض مما يمكن طرحه فى هذا السياق ما جاء فى الفقرة الثانية من المادة 13 ونصها: يحق لكل فرد أن يغادر أية بلاد بما في ذلك بلده كما يحق له العودة إليه. دون ان يذكر الواجب من قبل دولة المقصد! وتأتى المادة 23 وتنص فى فقرتها الاولى: أن لكل شخص الحق في العمل، وله حرية اختياره بشروط عادلة مرضية كما أن له حق الحماية من البطالة. وتأتى الفقرة الثانية وتنص: لكل فرد دون أي تمييز الحق في أجر متساو للعمل. والفقرة الثالثة: لكل فرد يقوم بعمل الحق في أجر عادل مرض يكفل له ولأسرته عيشة لائقة بكرامة الإنسان تضاف إليه، عند اللزوم، وسائل أخرى للحماية الاجتماعية. مثل هذه المادة 23 تفترض ان فرص عمل وافرة دائما وان للمواطن الحق فى الاختيار بينها، وان الاجر يجب أن يكفل كامل احتياجات المواطن واسرته وليس مقابل ما يقوم به من عمل!

لقد اعتمد الحلفاء فى الحرب العالمية الثانية اهداف الحرب الرئيسية فى أربعة حريات وهى حرية التعبير، حرية التجمع، التحرر من الخوف ،و التحرر من الحاجة ، وذلك فى مقابل ما أرتكبه الجيش النازي من فظائع، وأبرزها ما كان ضد اليهود ؛ واتفقت الآراء داخل المجتمع الدولي على أن ميثاق الأمم المتحدة 1945 لم يحدد بما فيه الكفاية الحقوق التي اشار إليها، ولذا بدت الحاجة الى اعداد وثيقة  الإعلان العالمي لحقوق الإنسان.

لئن كان الساسة والمفكرون قد وجدوا في هذا الإعلان الوثيقة العظمى أو الدستور المثالي الذي يبشر بانبثاق عهد جديد تُشرق فيه شمس العدالة والمساواة والأخوة، وتؤكد حرية الإنسان، لكن غاندي، الإنسان الحكيم، تمنى، بعد اطلاعه على مضمون هذا الإعلان: لو استطاعت الجمعية العامة أن تُصدر، إلى جانب هذا الإعلان، إعلاناً آخر يمت إلى واجبات الإنسان بصلة. والحق أن أمنية غاندي أشارت إلى أنه لم يجد في إعلان الحقوق وحده العلاج الوافي لخلاص الإنسان من أنواع الألم، والمعاناة، والاضطهاد، والاستغلال والتمييز والفقر والبؤس.

فأعلان حقوق الانسان لم يقدم صراحة ما يقابل حقوق الإنسان من واجبات الإنسان، واذا ما كان قد تضمنها ظاهرا أو منطقيا الا أنها لم تكن واضحة وضوح الحقوق؛ رغم أن الاعلان يقدم بنوده للكافه ويستهدف أبسط البشر احتياجا، كما ان ذلك يعنى تجاوز القاعدة المنطقية التي تقول إن كل حق يقابله واجب؛ وكان من نتيجة ذلك أن اهتمت الشعوب والحكومات والمؤسسات والمنظمات الحقوقية والأحزاب السياسية، بالمطالبة بالحقوق الكاملة غير المنقوصة للإنسان، دون أن تلتفت إلى الواجبات المفروضة على الإنسان والتي لا يمكن التنصّل منها، أو تجاوزها، أو تأجيل القيام بها.

لقد بدى ان الاعلان يتبنى ثقافة ديمومة الخلاف والصدام بين الحكومات ومواطنيها وليس ثقافة الشراكة والاتفاق واصبحت المطالبات بالحقوق مصدر الأزمات التي يعاني منها العالم اليوم، والتى تتمثل فى الاختلال فى ميزان المسئوليات والحريات ؛ الواجبات والحقوق ، مما ادى إلى التفريط في أداء الواجب، مع الاشتغال بالمطالبة بالحقوق دون الاهتمام بالقيام بالواجبات التي يُطوَّق بها عنق كل إنسان، رغم أن نهضة الأمم تُبنى بإقرار حقوق الإنسان والعمل بها وحمايتها واحترامها، كما تُبنى بأداء الواجبات وبالحث على القيام بها وبنشر ثقافة الواجب كما تنشر ثقافة الحق، فهما متلازمان متكاملان.

وفى عام 1998 ؛ وفى الذكرى الخمسون على اصدار الاعلان العالمى لحقوق الانسان واسترشادا ببنوده ؛ قامت منظمة الأمم المتحدة للتعليم والعلوم والثقافه (اليونسكو) والمفوضية العليا للأمم المتحدة لحقوق الإنسان بإعداد الإعلان العالمى لواجبات ومسئوليات الإنسان والذى يعرف باسم إعلان فالنسيا أسبانيا.

قام بأعداد وصياغة الاعلان نحو 75 شخصية دولية مستقلة فى مجموعة من الخبراء الحائزين على جائزة نوبل والعلماء والفنانين والفلاسفة تمثل جميع مناطق العالم ويهدف اعلان فالنسيا رؤية عصرية للحقوق فى اطار من الواجبات وبما يعزز الاعلان العالمى لحقوق الانسان ويعالج ما يعتريه من قصور؛ ومن ثم صار واجبا ان تقع مسئولية اقرار الحقوق على عاتق كافة المعنين من سلطات وافراد، وبذا يتحقق انتقالا نوعيا من المساواة الشكلية الى المساواة المستدامه ومن الحقوق المعنوية الى الحقوق القانونية ومن الواجبات المعنوية الى الواجبات القانونية.

ورغم ان اعلان فالنسيا  كان موجها اساسا للقائمين على تلبية الحقوق؛ الا أنه يمثل اقرارا بقصور الاعلان العالمى لحقوق الانسان فى اقرار الواجبات؛ ومن ثم صار اعلان فالنسيا بمثابة استحداث معادلة جزئية واضحة لاقرار بالواجبات والمسئوليات فى مقابل الحقوق والحريات.

ويشمل اعلان فالنسيا ؛ اثنتا عشر فصلاً وأحدى واربعون مادة، وجاءت الفصول على النحو الآتى: أحكام عامة، الحق في الحياة والأمن الإنسانى، الأمن البشرى ونظام دولى منصف، المشاركة الفعالة في الشؤون العامة، حرية الرأي والتعبير والتجمع وتكوين الجمعيات والدين، الحق في السلامة الشخصية والبدنية، المساواة ، حماية الأقليات والشعوب الأصلية، حقوق الطفل وكبار السن، العمل، ونوعية الحياة ومستوى المعيشة، التعليم والفنون والثقافة، الحق في الانصاف.

وقد عرف اعلان فالنسيا ان الواجب بأنه واجب أخلاقى أو معنوى؛ وعرف المسئولية بأنه التزام قانونى دولى ، ومن بعض النقاط التى تناولها اعلان فالنسيا وتتعلق بالواجبات والمسئوليات؛ تلك التى تتعلق بحماية حياة كل فرد من أفراد الاسرة الانسانية، وعلى أن تقوم الاجيال الحالية بواجباتها حيال الاجيال القادمة ، ويجب تقديم المساعدة الإنسانية للملايين من المحتاجين والمشردين فى العالم، كما لا يجوز احداث التنمية الاقتصادية والاجتماعية على حساب البيئة والموارد الطبيعية.

كما اشار اعلان فالنسيا الى الواجبات: يجب على وسائل الإعلام والصحفيين الالتزام بالصدق والدقة فى نقل الاخبار وتجنب التحريض على الكراهية أو العنف، ويجب إدانة جميع أشكال التمييز العنصري والديني ، ويجب احترام التنوع العرقي والإثني والديني، ويجب تحقيق شراكة عالمية لمكافحة الفقر ولقضاء على الفقر المدقع من العالم ، لكن ليس في هذا الإعلان نص يجوز تأويله على نحو يقيد أو يحد من الحقوق الواردة في الإعلان العالمي لحقوق الإنسان والمواثيق الدولية والإقليمية الأخرى لحقوق الإنسان.

وفى قارتى امريكا الشمالية وامريكا الجنوبية ؛ تشكلت منظمة الدول الامريكية فى 30 ابريل 1948 بمدينة بوغوتا كولومبيا وتضم 35 دولة من بينها الولايات المتحدة وكندا والبرازيل ومقرها واشنطن واصدرت فى 2 مايو 1948 الإعلان الأمريكي لحقوق وواجبات الإنسان  وجاء فى مقدمته كل البشر يولدون أحراراً ومتساوون في الكرامة وفي الحقوق وحيث أن الطبيعة قد منحتهم العقل والضمير يجب أن يتصرفوا كإخوة لبعضهم البعض. وإن الوفاء بالواجبات من قبل أي فرد هو مطلب أساسي بالنسبة لحقوق الكافة، والحقوق والواجبات متلازمة في كل نشاط إجتماعي وسياسي للإنسان، فبينما الحقوق ترفع من قدر وحرية الشخصية فإن الواجبات تعبر عن جلال تلك الحرية.
والواجبات ذات الطبيعة القانونية تسلم جدلاً للآخرين بطبيعة أخلاقية تدعم هذه الواجبات من حيث المبدأ وتكون أساساً لها.
وبقدر ما يكون التطور الروحي هو الغاية الأسمى للوجود الإنساني وأرقى درجة من التعبير عنه، فإن واجب الإنسان خدمة هذه الغاية بكل قوته وبشتى موارده. وحيث أن الثقافة هي التعبير الاجتماعي والتاريخي الأسمى لذلك التطور الروحي، فمن واجب الإنسان حفظ وممارسة وتشجيع الثقافة بكل وسيلة في استطاعته. وحيث إن السلوك الأخلاقي يشكل أنبل ثمار الحضارة، فمن واجب كل إنسان على الدوام أن يضعه موضع احترام.
ويتكون الاعلان الامريكى من
38 مادة فى فصلين؛ الاول بعنوان الحقوق والثانى بعنوان الواجبات، وفيما يتعلق بالواجبات افرد الاعلان تسعة مواد من بينها : المادة 29 من واجب الفرد أن يحسن التصرف فيما يتعلق بالآخرين حتى يتمكن كل فرد من تشكيل وتنمية شخصيته بالكامل. المادة 30 ومن واجب كل شخص مساعدة والإنفاق على وتعليم وحماية أبنائه القصر، والمادة 31 ومن واجب الأبناء إجلال آبائهم على الدوام، ومساعدتهم وإعالتهم وحمايتهم عند الحاجة. المادة 32 ومن واجب كل شخص الحصول على تعليم أولي على الأقل. المادة 33 من واجب كل شخص الإدلاء بصوته في الانتخابات العامة في الدولة التي يكون مواطناً لها، ومن واجب كل شخص طاعة القانون والأوامر الشرعية الأخرى لسلطات بلاده، وتلك الخاصة بالدولة التي قد يكون مقيماً فيها.

وفى المادة 34 من واجب كل شخص قادر بدنياً أن يؤدي أي خدمة مدنية أو عسكرية لبلاده قد يتطلبها الدفاع عنها وحمايتها ، المادة 35 من واجب كل شخص التعاون مع الدولة والمجتمع فيما يتعلق بالسلام الاجتماعي والصالح العام وفقا لقدرته وطبقاً للظروف القائمة، المادة 36 من واجب كل شخص دفع الضرائب التي يقرها القانون لدعم الخدمات العامة، المادة 37 من واجب كل شخص العمل بقدر ما تسمح به قدرته وإمكانياته لكل يحصل على وسائل الرزق أو ينفع مجتمعه.

وفى عام 1983 ؛ قام هيلموت شميدت المستشار الالمانى الأسبق (1974- 1982) بإنشاء مجلس العمل المشترك  (The Inter-Action Council)  كمنظمة دولية مستقلة هدفها توظيف الخبرات والطاقات والعلاقات الدولية عبر مجموعة من الساسة والخبراء الذين يتولون أعلى المناصب في بلدانهم من أجل إيجاد الحلول العملية وتقديم التوصيات لكافة المشاكل السياسية والاقتصادية والاجتماعية التي تواجه الإنسانية.

ويتكون مجلس العمل المشترك من أكثر من ثلاثين عضوا من رؤساء الدول أو الحكومات للعمل في ثلاثة مجالات ذات أولوية هي «السلم والأمن»، «الانتعاش الاقتصادي العالمي»، «المعايير الأخلاقية العالمية». ويقوم المجلس بتحديد عدد من القضايا وتطوير مقترحات محددة للتعامل معها لرفع هذه المقترحات إلى قادة الحكومات وصناع القرار الوطني، ورؤساء المنظمات الدولية والأفراد من أصحاب النفوذ في جميع أنحاء العالم.

ومن ثم فأن الترويج الدائم عن حريات وحقوق الإنسان التي تجسدت في «الإعلان العالمي لحقوق الإنسان»، كان من شأنه أن يستدعي طرح تساؤلات حول قيود وحدود حرية الإنسان، بل وواجبات ومسئوليات هذا الإنسان تجاه الغير، وهذا ما فكر فيه مجلس العمل المشترك وقام بتحويل الفكرة إلى واقع من خلال «الإعلان العالمي لواجبات ومسئوليات الإنسان».

وفى مقالة للمستشار هيلموت شميدت، نشرت عام 1997 بعنوان: لقد حان الوقت للحديث عن واجبات الانسان واشار فيها :أن المجتمعات الغربية في طريقها إلى الانهيار، بسبب إصرار المواطن فيها على الحصول على حقوقه كاملة، متناسيًا ما عليه من واجبات. وأرجع ذلك؛ إلى الفهم الخاطئ لحقوق الإنسان، التي يجدر احترامها وتنص عليها الدساتير الأوروبية والكثير من الاتفاقيات والمواثيق الدولية .

وأشار شميدت؛ إلى الخطر الكبير الناجم عن استغلال حقوق الإنسان، كما لو كانت مصطلحًا حربيًا، ووسيلة عدوانية، لممارسة الضغوط السياسية الخارجية تلجأ إليها الدول العظمى حين تحتاج إلى مبرر لتصرفاتها، في حين تغمض أعينها عنها، كما هو الحال في التعامل مع إسرائيل، ومع الدول التي ترتبط بها هذه القوى العظمى بمصالح اقتصادية أو استراتيجية.

ونبه شميدت؛ إلى أن أتباع الحضارات والأديان الأخرى، مثل المسلمين والبوذيين والهندوس، وغيرهم كثيرون، يرون أن الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، يفتقر إلى الإشارة إلى واجبات الفرد تجاه أسرته وقبيلته، ومجتمعه وأمته، بل والبشرية جمعاء.

وقد بادر شميدت واعضاء مجلس العمل المشترك منذ عام 1987 بإعداد الإعلان العالمي لواجبات ومسئوليات الإنسان بمشاركة عدد كبير من الخبراء، من بينهم أعضاء مجلس العمل المشترك ومستشارون أكاديميون، وخبراء رفيعو المستوى، وصحفيون. كما قام المجلس عام 1996 بإعداد تقرير حول موضوع المعايير الأخلاقية، بمشاركة سبع عشرة شخصية، يمثلون الاتجاهات الدينية الكبرى ومدارس فكرية وأكاديميات علمية من مختلف مناطق العالم.

وشارك فى اعداد «الإعلان العالمي لواجبات ومسئوليات الإنسان» ستة وعشرين رئيسًا ورئيس وزراء سابقين من مختلف أنحاء العالم، وخصص لهم رجل الأعمال الأمريكي تيد تيرنر مالك استوديوهات يونيفرسال ومؤسس CNN مليار دولار، وقد توصلوا بعد كل مباحثاتهم إلى ما أطلقوا عليه اسم (الإعلان العالمي لواجبات ومسئوليات الإنسان).

وقد حاول فريق العمل تجنب النقاط الإشكالية التي وردت في الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، فأشار إعلان الواجبات في مادته الخامسة عشرة إلى أنه: «في حين يجب ضمان حرية الدين، فإن ممثلي الأديان عليهم واجب تجنب إصدار تصريحات تحتوي على أحكام مسبقة على أتباع الأديان الأخرى، أو ارتكاب أعمال بها تحيز ضدهم. وينبغي عليهم ألا يحثوا على الكراهية أوالتطرف أوالحروب العقائدية، ولا أن يضفوا عليها صفة الشرعية، بل يجب عليهم دعم التسامح والاحترام المتبادل بين البشر جميعًا».

وهناك ميزة يتفرد بها إعلان الواجبات على إعلان الحقوق، أنه ينتقل من حيز الفرد إلى حيز البشرية جمعاء، مثلما جاء فى المادة التاسعة التي تنص على أن «كل الناس الذين تتوفر لهم الإمكانيات، ملزمون بالقيام بجهود جدية للقضاء على الفقر والقهر والجهل واللامساواة، وعليهم أن يدعموا بشدة هذا التوجه على مستوى العالم، لضمان الكرامة والحرية والأمن والعدالة للناس جميعًا».

وفى 1 سبتمبر 1997 ، قام المجلس بنشر مبادرته «الإعلان العالمي لواجبات ومسئوليات الإنسان» الذى تشير مقدمته إلى ضرورة تبني إعلان عالمي لواجبات ومسئوليات الإنسان ليكون متممًا لإعلان الحقوق ويقويه ويساعد في الوصول لعالم أفضل. ويهدف الإعلان إلى الوصول إلى توازن بين الحريات والمسئوليات والانتقال من ثقافة الاختلاف الى ثقافة المشاركه لأنه «إذا سعى كل شخص لزيادة الحرية إلى أقصى مدى ولكن على حساب حريات الآخرين، فإن ذلك يؤدي إلى معاناة عدد أكبر من الناس، وإذا سعى البشر للحصول على أكبر قدر من الحرية عن طريق نهب الموارد الطبيعية للأرض، فإن ذلك يؤدي لمعاناة الأجيال القادمة» كما تقول مقدمة الإعلان التي تؤكد على أنه إذا حصل توازن بين الحقوق والمسئوليات، فإن الحرية يتم تعزيزها ويمكن خلق عالم أفضل.

حظي الإعلان بتأييد عشرات المسئولين في دول العالم ؛ وأبرزهم الرئيس الأسبق للولايات المتحدة الأمريكية، جيمي كارتر، والرئيس الفرنسي الأسبق جيسكار ديستان، وضمت القائمة أيضا رئيس وزراء لبنان الأسبق، سليم الحص، وهو العربي الوحيد في قائمة أعضاء المجلس.

ويحتوي الإعلان على مقدمة أو ديباجة وتسع عشرة مادة تشبه إلى حد كبير ديباجة الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، وقد تم تقسيم الإعلان إلى 5 أجزاء أساسية يضم كل منها عددًا من المواد، والأجزاء الرئيسية هي: «المبادئ الأساسية الإنسانية»، «اللا عنف واحترام الحياة»، «العدالة والتضامن»، «الصدق والتسامح»، «الاحترام المتبادل والشراكة».

وتشير وثيقة الإعلان إلى أن الإعلان العالمي لحقوق الإنسان كان يمثل الدول المنتصرة في الحرب العالمية الثانية، وقد أدى ذلك إلى الحديث عن الحقوق بدلا من الالتزامات، إذ إن الفكر الغربي دائمًا ما ينظر إلى العلاقات الإنسانية من منظور الحقوق بدلا من الالتزامات والتأكيد على مفاهيم الحرية والانفرادية، بينما يركز الفكر الشرقي على الألتزامات ومسئولية الفرد تجاه المجتمع بشكل أكبر من الحديث عن الحقوق.

وعن المبادئ الأساسية الإنسانية؛ اربعة مواد وتؤكد المادة الأولى من الإعلان على أن كل شخص عليه مسئولية معاملة كل البشر بطريقة إنسانية بغض النظر عن الدين أو الجنس أو العرق أو الجنسية أو اللغة أو العمر أو المكانة الاجتماعية، كما تنص المادة الثالثة على أنه ليس لأي شخص أو هيئة أو دولة الحق في أن تكون قيمة على الخير أو الشر.

وعن اللا عنف واحترام الحياة؛ ثلاثة مواد وتؤكد المادة السادسة على ضرورة حل النزاعات بين الدول، أو الجماعات، أو الأفراد بدون عنف، ولا يجوز لأي حكومة أن تتسامح أو تشارك في أعمال إبادة أو إرهاب.وتوسع المادة السابعة من دائرة حماية الحياة إلى كافة الكائنات الحية الأخرى مثل الحيوانات والنبات والبيئة الطبيعية، وتحمل الناس جميعا مسئولية الحفاظ على الهواء والماء والتربة لصالح الأجيال القادمة.

وعن العدالة والتضامن؛ اربعة مواد تنص المادة التاسعة على أن جميع الناس، الذين يملكون الأدوات الضرورية، عليهم مسؤولية بذل جهود جادة للتغلب على الفقر وسوء التغذية والجهل واللامساواة. وعليهم أن يدافعوا عن التنمية المستدامة في كل العالم بضمان الكرامة والحرية والأمن والعدالة لكل الناس. وتؤكد المادة العاشرة في الإعلان على أهمية المبادرة الشخصية من الإنسان، حيث تنص على ضرورة تنمية الإنسان لتحسين واقعه وتنمية مواهبه من خلال العمل باجتهاد، كما تسعي المادة أيضا إلى كفالة فرص متكافئة لجميع الأفراد في التعليم والعمل.

وعن الصدق والتسامح؛ اربعة مواد فقد شدد الإعلان المادة الثانية عشرة على مسئولية كل شخص عن التحدث والتصرف بصدق، وتنكر المادة على أي شخص مهما كان قويًا أو ذا منصب أن يكذب، ولكن لا يأتي ذلك على حساب خصوصية الأفراد وسرية العلاقات المهنية والأسرية، إذ «لا يجبر أي شخص على التحدث بصدق لأي من كان وفي جميع الأوقات» كما يقول نص المادة حفاظا على الخصوصية.

وتتناول المادة الرابعة عشرة الإعلام وتؤكد على أن حرية الإعلام في إيصال الأخبار للجمهور وانتقاد المؤسسات الاجتماعية والتصرفات الحكومية هي ركيزة أساسية لأي مجتمع عادل، وفي المقابل تحمّل المادة وسائل الإعلام مسئولية نشر تقارير صحيحة وصادقة وتجنب بث أي تقارير مثيرة أو تحط من أي شخص أو كرامته. وخصص الإعلان مادته الخامسة عشرة للحديث عن الأديان، إذ إن الإعلان مع إقراره لحرية الأديان إلا أنه بالمقابل وحرصًا على التوازن الذي هو السبب الرئيسي لوضع هذه الوثيقة قد حمل رجال الدين مسئولية خاصة لتجنب أي تعبير عن العنصرية والتصرفات ذات العلاقة بالتمييز تجاه الأفراد الذين ينتمون إلى معتقدات مختلفة وألا يحرضوا على الكراهية أو يقروها إذا أتت من طرف آخر، وعليهم أن يرعوا التسامح والاحترام المتبادل بين كافة الناس.

وعن الاحترام المتبادل والشراكة؛ اربعة مواد تناول العلاقة بين الرجل والمرأة والزواج وتكوين الأسرة وتربية الأبناء، حيث تنص المواد على مسئولية الرجال والنساء على حد سواء على إظهار الاحترام والتفهم بعضهم لبعض، كما أن الزواج يتطلب في كل تنويعاته الثقافية والدينية، الحب والإخلاص والتسامح، ويجب أن يهدف إلى ضمان الأمان والدعم المتبادل؛ كذلك تحتاج العلاقة بين الآباء والأطفال إلي الحب والاحترام والتقدير والاهتمام المتبادل، ويجب ألا يستغل أي آباء أو غيرهم من البالغين الأطفال أو أن يسيئوا معاملتهم.

شاهد أيضاً

القاتل واحد وضحاياه كثيرون ! .. بقلم : عبدالرحمن مهابادي – محلل سياسي خبير في الشأن الايراني

إذا نظرنا إلى مشهد الشرق الأوسط والجرائم المرتكبة في هذه المنطقة من العالم ليس من ...