الرئيسية / مقالات / مصرع النمر الجريح .. بقلم :  علي الكاش   مفكر وكاتب عراقي

مصرع النمر الجريح .. بقلم :  علي الكاش   مفكر وكاتب عراقي

111994_L

بعد سويعات من إعدام النمر إنهالت التحليلات من بعض الكتاب العراقيين عن الموضوع، مع العلم إن بعضهم لن يسمع خطب النمر، ولا إستمع إلى جلسات المحكمة ليطعن بنزاهتها، وليس عنده أوليات كافية عن حيثيات الموضوع، ولا حقيقة التهمة الموجهة للنمر ولا إعترافاته. يبدو بعض الكتاب أشباه بالعدائين ما أن يصفر الحكم حتى يبدوا بالركض، همهم الأسراع الى الأمام حيث وجهتهم الرئيسة، حتى يشعر المرء أن البعض منهم مُسير وليس مُخير. وأن هناك من يدفع بهذا الإتجاه سواء ماديا أو معنويا او من خلال النزعة الطائفية فقط.

بإستثناء الحس الطائفي لم نقرأ مقالا عادلا يعالج الموضوع ضمن إطار الحياد وعدم الإنحياز الطائفي، وينظر للمسألة بإبعاد متساوية. سبق أن عشنا نفس اللحظات مع مقتل الشيخ المصري حسن شحاتة الذي أقيمت له سرادق عزاء في الجنوب العراقي، وسميت ساحة بإسمة ومئات المقالات كتبت عنه، والكثير ممن كتب لا يعرف من هو شحاته؟ وما هي شطحاته؟ علما إنه يقيم في دولة فيها الأزهر الشريف الذي تغاضى سنوات طويلة عن هجوماته على الصحاية وأمهات المؤمنين وسبٌهم ولعنهم، وإنما ساروا مع المد الإيراني. حتى المرجعية الصامتة التي سكتت عن موت ملايين العراقيين وفضائح سجن أبو غريب خرجت عن صمتها وندت بمقتله، مع إنه شحاته متطرف والذين قتلوه متطرفون مثله، اي تصفية حسابات بين متطرفين. مع إننا ضد طريقة قتله بهذه الصورة الهمجية، القضاء وحده هو صاحب القرار النهائي، وليس كل فرد ينفذ ما يريد من أحكام كما يجري في العراق حاليا. لكن هجمة النمر أشرس من شحاته لأن ورائها السعودية عدو إيران اللدود.

يبدو من المقالات والتحليلات ان الكثير من شيعة العراق أو على الأقل، الكثير الكتاب أصبحوا أبواقا للنظام الإيراني يرددون أقوال ولاية الفقيه دون تمحيص أو تدقيق. عشرات المقالات تناولت الموضوع بنكهة طائفية مقززة كأن إيران صارت رمز الدين الإسلامي والعروبة، مع كل العنجهية الفارسية المعروفة والتي ترى في العراقيين عبيدا للفرس ويشرفهم ان يكونوا عبيدا للفرس. ويبدو فعلا ان البعض يمارسون دور العبيد ويشرفهم هذا الدور! (كنت في المقهى وكان الشيخ النمر) و(النمر، نمر الشريعة) و (إعدام النمر ماذا يعني) و (دقة ساعة نهاية مملكة العار/يقصد الفطحل دقت) و(النمر وإعلامنا الخجول) و(هل سيكون النمر باقر الصدر؟) و(ماذا ننتظر من أمة تشرب بول البعير(يقصد أمته وأهله الفطن!)، (هنيئا لك الكرامة إيها النمر الشهيد) و(الشيخ النمر الثائر وسط الركام) و(دمائك ستصنع دولة أيها النمر) و(دماء الأحرار مهر لإسقاط الطواغيت) و(لو كان رأسي وهابيا لقطعته) و(لماذا أعدمت السعودية النمر؟) و (آل سعود ينبوع الإرهاب فكرا ودعما وإحتضانا) و(نظام آل سعود دولة القتل والإرهاب) و(أعدمت السعودية نفسها بإعدام النمر) و(آل سعود يصبون الزيت على النار) و(إختاروا لأنفسهم شر قتلة) والمئات من التغريدات ضمن نفس الإطار النقدي. موجة عالية من الإنتقادات لإعدام النمر، حتى يخيل للمرء ان النمر عراقي وليس سعوديا!

نود في البداية أن نوضح بأننا لسنا بصدد الدفاع عن المملكة والنظام السعودي، وإهتمامنا بالنمر هو نفس إهتمامه بنا كعراقيين. هناك الآلاف من الأقلام السعودية القادرة على مواجهة الأقلام التي تعاديهم، وتتولى هذه المهمة بكفاءة،. ولكننا ستعالج الموضوع من زاوية أخرى وهي من هو النمر؟ بلا أدنى شك هو مواطن سعودي، ويعرف ما له من حقوق وما عليه من واجبات تجاه وطنه، من المعروف أن في كل دولة توجد خطوط حمراء من تجاوزها يتعرض الى العقوبة، ومنها المطالبة بإسقاط الحكومة وإيغال النفوس للإنتقام من رجال الأمن، وإثارة النعرات الطائفية، وصناعة الفتنة بين شرائح الشعب. وهذه هي التهم التي وجهت إلى الشيخ النمر، ويمكن عند الرجوع إلى خطاباته في أشرطة التسجيل تثبيت كل هذه الإتهامات بحقه، ربما البعض يقول إنه وطني ومقاوم للنظام الظالم، لذلك رفع راية إسقاط النظام السعودي القائم؟ نقول له حسنا لا ضير في ذلك! فما الغريب إذن في إعتقاله طالما هو يعرف ما الذي يتنظره؟ أن من يواجه نظام الحكم يدرك جيدا تبعات موقفه هذا! ويجب أن يكون مستعا لمواجهة مصيره. فإيمانه بقضيته هو أساس بطولته وثبات مبادئه وتخليده.

أما من يدعي بأن النمر كان يطالب برفع المظلومية عن شيعة السعودية وأن مطالبه كانت شرعية، وتظاهراته كانت سلمية، نرد عليه بأنه خرج الآلاف من المتظاهرين السعودين في القطيف إستنكارا لإعدامه، ولم يتعرض أي منهم للإعتقال سوى الذين قاموا بإعمال الشغب كحرق السيارات والمتاجر والإعتداء على رجال الشرطة والأمن، على العكس مما طالب به شيقق النمر بأن تكون التظاهرات سلمية، وبعيدة عن العنف لأنه لا يريد المزيد من سفك الدماء، وهو موقف عقلاني جدا. ونسأل هؤلاء إن كنتم تؤمنون بأن التظاهرات السلمية لا تستوجب من الحكومة أن تعالجها بالعنف والقتل! هل كان هذا هو موقفكم عندما قام نوري المالكي بمجازر الحويجة والأنبار وقتل المئات من المتظاهرين السلميين، قبل أن تتطور الأمور إلى سقوط المحافظة بيد داعش؟

بالطبع لم يكن هذا موقفكم! إذن لماذا السكوت عن جرائم المالكي بحق العراقيين، والهجوم على المملكة لإعدام النمر، وهو مواطن سعودي لا علاقة له بالعراق؟ أليس من الصواب أن يحرص العراقيون على مواطنيهم أولا من ثم على غيرهم ثانيا؟ هل العراقيون أحرص على حياة النمر من المملكة؟ وما هو سبب هذا الحرص الشاذ؟ هل هي الطائفية بعينها ام ماذا؟

قتل المئات من شيوخ أهل السنة، وفي محافظة البصرة عُطلت الصلاة بسبب إغتيالات علماء الدين، ولم يبقَ من الخطباء والشيوخ بعد تصفيتهم إلا ما ندر! هل سمع أحد منا إستنكار أو شجب من المملكة لهذه الإغتيالات المبرمجة من قبل الميليشيات التابعة لولاية الفقيه؟ لماذا لم تتدخل المملكة لنصرة شيوخ أهل السنة، في حين يتدخل العراقون لنصرة علماء الشيعة في السعودية؟

هل يسمح  شيعة السلطة في العراق للملكة العربية السعودية أن تندد بإغتيال وإعتقال شيوخ أهل السنة؟ أم سيعتبر هذا تدخلا في شؤون العراق الداخلية وإنتقاصا للسيادة، وإساءة لعلاقات حسن الجوار، ودعما للإرهاب وغيرها من الإتهامات الحاضرة؟ إذا تعطي لنفسك الحق في نصرة شيعة السعودية، فعليك أن تعطي الحق نفسه الى السعودية لنصرة أهل السنة في العراق، وهذا ما لم تطالب به السعودية لأنه يتعارض مع مبدأ السيادة الوطنية وعلاقات حسن الجوار.

نفس الأمر بالنسبة لإيران! ما علاقة إيران بمواطن سعودي الجنسية حاكمته السلطة القضائية في بلده وحكمت عليه بالإعدام؟ اليس هذا التهجم الإيراني دليل إثبات على أن النمر كان عميلا للنظام الإيراني؟ مثل هذا الدفاع المستميت على النمر لايمكن تفسيره إلا بالعمالة للأجنبي. ونحن لا نتهم الرجل بالعمالة لإيران، لكن هذا ما يستشفه المرء من خلال تصريحات أقطاب النظام الإيراني، والأحزاب الحاكمة في العراق والتابعة لولاية الفقيه. الموقف الإيراني أشبه بفتيلة المفرقعات ما أن تشتعل واحدة حتى تشتعل بقية المفرقعات فتنطلق الواحدة بعد الأخرى في دويلات العراق وسوريا ولبنان واليمن. قال رئيس مجلس خبراء القيادة في إيران أحمد خاتمي، إن ” إن هذه الجريمة لم تكن مستبعدة عن نظام آل سعود لأنه مبني منذ نشوئه على الجريمة والنهب. الشيعة في السعودية سيحولون نهار آل سعود إلى ليل مظلم”. هل يجوز لزعيم دولة ما أن يحرض شعب آخر للثورة على نظامه؟ إين السيادة ومبدأ عدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول؟ أليست هذه دعوة للإرهاب؟ هل تقبل الحكومة الإيرانية نفس الموقف من السعودية تجاه علماء السنة في إيران سيما عرب الأحواز؟ لو كان الهجوم من قبل الحوزات العلمية يمكن قبوله، بإعتبارها تناصر الزعماء الشيعة وهو موقف مذهبي وليس سياسيا. مثلما جاء في وصف علي السيستاني النمر بالشهيد” الذي أريقت دماؤه ظلماً وعدوانا” مع ان السيستاني اعتبر جميع المعدومين شهداء ومن إخوانه، بما فيهم المعدومين من تنظيم القاعدة وداعش، بقوله” تلقينا ببالغ الأسى الأسف نبأ إستشهاد جمع من اخواننا المؤمنين، أريقت دماؤهم الزكية ظلماً وعدواناً، ومنهم العالم المرحوم الشيخ نمر النمر، طاب ثراه”. يبدو ان السيستاني لا يعرف بأن اكثرية المعدومين السعوديين هم من أهل السنة ومتهمين بالإرهاب. الكثير من شيعة العراق يعتبرون السيستاني لا يؤمن بولاية الفقية وله خلاف مع الولي الفقية، مع ان السيستاني ليس له موقف معارض واحد ضد سياسة نظام ولاية الفقيه. إنه فعلا مواطن إيراني يعمل لوطنه الأم.

أما أن يصدر موقف حاد ومتشنج من أعلى سلطة في النظام الإيراني، فهذا جهل فادح بالدبلوماسية والقانون الدولي والعلاقات الدولية. في الوقت الذي تعاملت فيه السعودية مع هذه التصريحات وفق السياقات الدبلوماسية. فقد إستدعت السفير الإيراني في الرياض وسلمته مذكرة إحتجاج عن التدخل السافر والتهديد الإيراني للمملكة. وحملت الحكومة الإيرانية مسؤولية تأمين سلامة سفارتها وقنصليتها، لكن الحكومة الإيرانية سمحت للمتظاهرين الغوغاء بالإعتداء على السفارة والقنصلية السعودية وحرقها، في موقف لا يفسر إلا بسوء النية والرغبة تعكير الأجواْء، في الوقت الذي شددت فيه السعودية الإجراءات الأمنية لتأمين سلامة السفارة الإيرانية وكادرها في الرياض. نسـأل: أي طرف من الطرفين يطبق القانون الدولي واتفاقيات فيننا للعلاقات الدبلوماسية والقنصلية؟ وما معنى السماح للغوغاء بإقتحام السفارة دون تدخل قوات الأمن الأيرانية؟ اليس هذا انتهاكا صارخا للقانون الدولي وإتفاقية فيينا؟

أما من يشكك في القضاء السعودي، فنسأله هل أطلعت على محاضر القضاء ووجدت ثغرات قانونية وخروجا عن القانون؟ إن كان الجواب نعم! سنضم صوتنا إلى صوتك فورا دون أي تردد! وان كان الجواب بالنفي! فعلام الشكوك؟

ونسأل من يشكك في القضاء السعودي! هل القضاء العراقي نزيه؟ إن قال نعم! سنقول له لماذا يطلق سراح أكثر من (8000) معتقل لم تثبت عليهم التهم بين آونة وأخرى، ومعظمهم متهم بالإرهاب؟ ألم يعترف وزير الداخلية حيدر الزاملي بتأريخ 25/12/2015 عن اعتقال أكثر من 500 مخبر سري وتقديمهم للمحاكمة بعد توجيه تهمة (الإدعاء الكيدي) إلى قضاياهم، علما أنه سبق أن كشف مجلس القضاء الاعلى في العراق في 8/12/2014 عن وجود 498 مخبرا سريا كاذبا في بغداد فقط، وقال رئيس المجلس القاضي مدحت المحمود إن “هناك 498 مخبرا سريا كاذبا في بغداد. وهناك الآلاف بينهم من اعدم عُوق بسبب التعذيب أو  تعرض للإغتصاب أو قضى سنوات طويلة في الإعتقال بلا ذنب. اليس من الأجدى أن يطالب العراقيون بتصحيح مسيرة قضائهم أولا قبل أن ينتقدوا قضاء المملكة؟ كيف نفسر هذا الإنفصام في المواقف؟

المسألة الأخرى أن المسؤولين في ولاية الفقية وتابعة ولاية العراق فاتهم بأنة من جملة المعدومين عناصر من تنظيم الدولة الإسلامية وتنظيم القاعدة، لكن الكثير من المواقع والكتاب تجاهلوا هذا الحقيقة وركزوا على النمر فقط في تغاضي مقصود النية! ونسأل: كيف يكون الجمع بين دولة تتبنى الإرهاب (كما يزعم البعض) وفي نفس الوقت تعدم عناصر إرهابية من تنظيمي القاعدو وداعش؟ كما قيل حدث العاقل بما لا يُعقل فإن صدق فلا عقل له.

من جهة أخرى، أليس هياج الميليشيات العراقية كجيش المهدي ومنظمة بدر والمجلس الأعلى وحزب الدعوة، وحزب الله، وعصائب أهل الحق وغيرها أسقطت ورقة التوت عنهم، وبينت للجميع إنها رهن إشارة ولاية الفقيه، وليس ولاية العراق؟ كيف نفسر وحدة الخطاب الشيعي في العراق وتناغمه مع خطاب الحكومة الإيرانية؟ إن من يسمح لنفسه بأن يرمي الحجارة على بيوت الناس، عليه أن يقبل رمي الناس الحجارة على بيته.

أتركوا الدول وشأنها الداخلي، فهي أدرى منا بها، وأعرف منا بكيفية معالجتها، وأحرص منا على سلامة مواطنيها وأمنها الوطني. علينا أن ننتبه لشأننا الداخلي، ونعالج مصائبنا وكوارثنا المستديمة، لا أن نضيف مشاكل الغير لمشاكلنا، ما لدينا من مشاكل نسد بها شواغر العالم كله من المشاكل. إن كان للغير عورة فلدينا مئات العورات. لم يولِ النمر العراق وشعبه أي إهتمام خلال السنوات السابقة كي نوليه كل هذا الإهتمام المعالى فيه. النمر صب إهتمامه على شيعة السعودية فقط، وليس على شيعة العراق. ومن يعتبر أن مقتل النمر سيؤجج الطائفية في المنطقة، نقول له ان تصريحات المسؤولين العراقيين والإيرانيين هي التي ستؤجج الطائفية في المنطقة.

من يظن إن النظام الإيراني لا يتاجر بعقول الشيعة العرب هو على وهم كبير! أنظر إلى تعاملهم مع شيعة الأحواز؟ إنظر إلى تعاملهم مع عناصر مجاهدي خلق وهم من الشيعة الفرس! أن من يقصف بالصواريخ المعارضة الإيرانية في العراق، ويلاحقهم في كل دول العالم بغرض تصفيتهم لا يمكن إئتمان جانبه. وليس له الحق أن يتهم الغير بتصفية معارضيهم. عليه أن يكون نموذجا صالحا ليقتدي الآخرون به.

العراق على وشك الإفلاس، العراق على وشك التفتيت والتقسيم، العراق صار ولاية تابعة لإيران،  العراق يحتظر، ونحن مشغولون بالنمر! إتركوا العالم وشأنه، وعليكم بالعراق، العراق، العراق فقط يا أولي الألباب.

شاهد أيضاً

منطقة باسارغاد نصب يجسد القيم وغضب الشعب الإيراني  

كتب  عبدالمجيد محمد  – محامي : سمّى الشعب الإيراني يوم 29 أكتوبر-تشرين الأول يوم ”كوروش الكبير“ حيث ...