اليوم الإثنين 20 نوفمبر 2017 - 4:11 صباحًا
الرئيسية / مقالات / الإعلام ما بين التحرير والتحريض والفوضى ! .. بقلم : حسن الهامى

الإعلام ما بين التحرير والتحريض والفوضى ! .. بقلم : حسن الهامى

hasan alhame

الإعلام كلمة وصورة، وفى الكلمة صورة، وفى الصورة كلمة، ورسالة الإعلام كلمة صادقة راقية، وصورة واقعية هادفه، لكن الكلمة تتجاوز معنى أنها مجرد حروف وعبارات بل ايماءات وايحاءات، والصورة تتجاوز معنى أنها مجرد خطوط والوان بل اشارات ودلالات، ومن المأمول مهنياً ومجتمعيا وأنسانيا أن يكون الإعلام حروفاً من نور، وخطوطاً مستقيمة إلى العقل والقلب والروح، وألواناً حمراء تحذر، وصفراء تجهز، وخضراء ترشد وتبنى وتعمر.

فالدور الرئيسى للإعلام يعنى تزويد جماهير الناس بمصادر العلم والفكر والمعرفة ونشر أكبر قدر من المعلومات بين الناس، وذلك بنشر آراء ومواقف أشخاص كثيرين، وذلك من خلال وسائله المتنوعة سواء أكانت مسموعة كالراديو او مقروءة كالجرائد، أو الإثنين معاً كالتليفزيون، ومن أقوى وسائل الإعلام فى الغرب الصحافة، أما فى المجتمعات النامية فقد أصبح التليفزيون هو الوسيلة الأقوى تأثيراً ؛ وبصفة عامة يمكننا أعتبار الإعلام السلطة الرابعة في المجتمع، وذلك لما له من أهمية وتأثير كبير في المجتمع والأفراد أنفسهم. فللإعلام تأثير كبير على أفراد المجتمع، فهو مصدر المعرفة وبذلك فإنّ الإعلام الوسيلة الأهم في طريقنا لإحداث التغيير في المجتمع والبيئة. فالإعلام مهم لنشر الثقافة بين الناس، وهو مهم لترسيخ مبادئ الحضارة ومكوناتها.

وأهم الأدوار التي يمكن أن يقوم بها الإعلام كعنصر فعّال، فإنّه قادر مثلاً على توجيه برامج محو الأميّة في مجتمعاتنا، والقيام بدور هام فى العملية التعليمية ومقاومة الدورس الخصوصية، ونشر الوعى نحو تنظيم الأسرة، والتوجيه نحو تعليم الحرف والمهن التى يحتاجها المجتمع، مع مراعاة تنوع الاهتمامات والاعمار، والاهتمام بالبرامج الموجهه الى الشباب والاطفال، كما ان الإعلام قادر على ترسيخ القيم والمبادئ السامية التي تساعد في رفعة المجتمع وتطوره إلى الأمام، هو مهم أيضاً لدوره في تزويد أفراد المجتمع بالمعلومات الصحيحة عن كل ما يتعلق بتاريخه ووطنه وبلاده.

الإعلام قادر أيضاً على أن يقدّم برامج تعزز من القدرة الإنتاجية للعاملين في المجتمع بغض النظر عن مكانتهم، وتعميق الوعي الفردي لأهمية المجتمع والتعاون في بنائه، وترسيخ قيمة العلم والعلماء منطقاً ومنهجاً للفكر والعمل، أيضا فمهم كذلك في تقديم القيم الإنسانية الرفيعة التي يجب أن نعيش عليها، وبالطبع لا يخفى علينا الدور الكبير والمهم الذي تلعبه وسائل الإعلام في السياسة، ودورها الكبير في خلق التحالفات والإنهيارات وكل ما يتعلق بالسياسة نفسها، فالإعلام قادر على تسويق الشعارات تعظيماً أو تقزيماً، ويمكنه إعطاء شخصية ما أهمية وقيمة وطنية وقومية بين أفراد المجتمع، وهو قادر على إنشاء النشأ على ثقافة الحوار والتحديات الداخلية والخارجية.

ولا يخفى علينا طبعاً دور وسائل الإعلام في نقل الخبر والحدث إلى كل أنحاء العالم، مما يزيد التعاطف والتعاون بين البشر في حل المشكلات التي تعاني منها بعض البلاد والمجتمعات، كما يمكن لوسائل الإعلام النزيهه القيام بدور مجتمعى وإنسانى بنقل المظالم و رفع الشكايات ولفت الانتباه للكوارث الطبيعية والبيئية، وفتح قنوات لتقديم أبواب العون للمحتاجين والمعوزين، ويستطيع الإعلام العمل على ترقية الذوق العام فنونا وجمالا بتقديم الاعمال الراقية المتميزة خلافا للأعمال التى قد يعتادها الناس جراء فقدان منظومة الذوق والفن الجميل، لكن بعض وسائل الإعلام ترى من الاسهل أن تكون انعكاس للشارع وليس رسالة للترقى ولذلك تركز على تقديم برامج التوك شو والمطبخ والتسلية وليس فى ذلك انتقاصا بل يمكن أن يكون تميزاً إذا كان فى اطار متوازن !

ويدور الإعلام فى فلك مابين نظامين أما الإعلام السلطوى أو الإعلام التحررى، وكلاهما نظامين يتراوحا ما بين التقييد والتحرير، لكن كلاهما مؤسسان على قواعد وقوانين واخلاقيات، فالحرية المقيدة كما الحرية المطلقة ونتائجها يتراوح مابين الكبت والانفلات وتداعياتها ما بين الثورة والفوضى، واذا كان التقييد مرهون بنظام الحكم فأن التحرير مرهون بثقافة المجتمع، وفى ظل الاحداث التى جرت فى سياق ما أطلق عليه الربيع العربى؛ اتجه الإعلام فى مصر نحو التحرير لدرجة مالت الى التحريض والفوضى وبدى ذلك فى كثير من المظاهر الإعلامية السلبية.

وتعنى كلمة الفوضى بصفة عامة هو تفكيك الروابط، وتكريس التصادمات، وعشوائية التفاعلات، وماترفل فيه بعض من دول المنطقة العربية ليس مجرد الفوضى بل الفوضى التى قيل عنها الفوضى الخلاقة، وعلى الرغم من وجود هذا المصطلح في أدبيات الماسونية القديمة إلا أنه لم يطف على السطح إلا بعد الغزو الأمريكي للعراق عام 2003، وبدى هذا المصطلح صريحاً و واضحاً بعد تصريح وزيرة الخارجيه  الامريكية كوندوليزا رايس عام 2005 حيث عبرت عن نية الولايات المتحدة نشر الديمقراطية بالعالم العربي والبدأ بتشكيل مايُعرف ب “الشرق الأوسط الجديد” عبر نشر “الفوضى الخلاقة” وهو المصطلح الذى يقصد به تكون حالة سياسية لما بعد مرحلة الفوضى وتعمد صناعة أحداث يقوم بها أشخاص معينه بدون الكشف عن هويتهم وذلك بهدف تعديل الأمور لصالح أهدافهم، أو لتشكيل حاله إنسانية مريحة بعد مرحلة الفوضى المتعمدة من أشخاص معروفه وذلك من أجل مساعده الآخرين في الاعتماد على أنفسهم.

وهذا ما هو معلن عن أهداف الفوضى الخلاقه، أما الحقيقة والواقع فهو ما نشاهده من حروب وصراعات وتقلبات، وقتلى وجرحى، ونازحين ومهاجرين، فإذا أفترضنا سوء النوايا – وهذا هو الاحتمال الأقرب – فقد نالت الولايات المتحدة من الشرق الاوسط ماتريد لصالحها ولمصالح اسرائيل، وإذا أفترضنا حسن النوايا- وهذا هو الاحتمال الأبعد- فأن الولايات المتحدة كانت تهدف إلى نشر الديمقراطية بالعالم العربى حقاً، وأن ما نشاهده مجرد مرحلة فى سبيل الديمقراطية لكن الثمن غالى للغاية ولم تتحمل تكلفته الولايات المتحدة، بل تحملته الشعوب والبلدان العربية، أما الولايات المتحدة والغرب عامة فقد أستفاد بترولاً بأبخس الأسعار، وولاء اشخاصاً بأرخص الأثمان، وعقود تسليح وأعادة أعمار بأبهظ التكاليف!

وبدى الإعلام بمثابة ساحة لهذه الفوضى، إعلاماً بوقياً للسياسة المفرطة، والعقائدية المتطرفه، والمذهبية الطاحنة، والطائفية المهلكه، والنفعية الجامحة، والمجتمعية المتلفة، وماجت الساحات بكل هذه التيارات، وأنجرف بعض من أبناء الاوطان فى تيار العولمة الامريكية الكاسحة والتى تروج لأقصى مدى من الحريات، مما أدى الى أنفراط وتفريط، وتراشق الناس بطلقات حية فى الواقع ، بينما تراشقوا فى الإعلام بكلمات من رصاص، ورصاص من كلمات، وتناقل الإعلام صور فاقعة حمراء بلون الدم المراق، واتهامات متصاعدة بالتكفير، تكفير بالدين، وتكفير بالوطنية، وتقدم بعض من أهل الإعلام- للأثارة والاعلانات- فى نشر الغسيل القذر، واستخدموا لغة تجاوزت من مجرد نقل صور الفقر والمرض والجهل، الى نقل صور الشواذ و زنى المحارم و خزعبلات الجن والعفاريت وقراءة الطالع والفتاوى الغريبة، كما هبطت لغة الإعلام الى حد تبادل السباب والاتهامات فيما يتعلق بالخاص والعام على السواء.

وتمثل العراق فرصة ونموذج لتطبيق الفوضى الخلاقة وحسبما كتبت مصادر عراقية؛ فقد أصبح الإعلام فى العراق نموذج للفوضى وذلك منذ عام 2003 ما بعد الاطاحة بحكم صدام حسين وتولى بول بريمر حاكماً مدنياً عاما، والذى أقدم بعد أسبوعين من ولايته وقام بحل وتسريح الجيش العراقى، كما قام بحل وتسريح كل موظفى وزارة الإعلام، وأطلق العنان لاصدار الصحف وفتح القنوات التليفزيونية لتموج العراق اليوم بنحو 300 صحيفة و100 اذاعة و50 قناة تليفزيون بعدما كانت فى عهد صدام مجرد عدة صحف وثلاث قنوات تليفزيونية.

وفى دراسة للدكتور نصر الدين لعياضى استاذ الإعلام والاتصال بجامعة الجزئر تحت عنوان”الخطاب الطائفى فى الفضائيات العربية – كلفة الخلاف وتداعياته، أنتهت هذه الدراسة إلى: “أن الخطاب الطائفى فى الفضائيات العربية؛ يُضفي معاني على الأحداث التاريخية التي تصنع تمثُّلاته للأنا والآخر، وتسرد الهوية الطائفية، وتكشف عن الثوابت والمرتكزات التي تتحكم في منطقه. وقد ضبطها الباحث في خمسة مرتكزات، وهي: حجة السلطة، والخلط بين التاريخ والذاكرة الجماعية، وإسقاط الديني على السياسي، وانزياح العصبية المذهبية إلى عصبية قومية، والتضليل بدل المحاججة. وقد استند في تفكيك هذا الخطاب إلى عينة قوامها عشر فضائيات دينية طائفية، خمس منها شيعية والبقية سُنِّية.”

واضافت : “حقيقة إنَّ هذه القنوات الفضائية لم تخترع الاختلاف في المذاهب الدينية في المنطقة العربية، لكنها حوَّلته بممارساتها إلى قضية عامة تشغل الجميع، ويخوض فيها الدَّهْمَاءُ الذين لا يملكون خلفية معرفية في الدين والسياسة، فسعوا إلى تمديد الحدود المذهبية والطائفية لتأجيجها، وفرض فهمهم للنزاعات المعقَّدة في المنطقة العربية.”

وتُبَيِّن الدراسة: “أن أحد تجليات كُلْفَة الخطاب الطائفي في الفضائيات الدينية وتداعياته هو تفسير الصراع المسلح الجاري في أكثر من دولة عربية ومسلمة بأحداث جرت قبل 14 قرنًا، ومنح المبررات التاريخية والدينية لاستمراره، وترسيخ أيديولوجية استبعاد التقارب والعيش المشترك بين مختلف الطوائف الدينية والعِرقية والثقافية في المنطقة العربية، والقضاء على مبدأ حسن الجوار.”

وصار الإعلام فى العراق، هدفا و وسيلة للتحريض على العنف والتطرف السياسى والمذهبى والطائفى، وعانى من فشل في انتاج إعلام مستقل ومحايد ومؤثر، اذ ان الإعلام المستقل إن وجد فهو قليل وضعيف، وأغلب المشاريع الإعلامية المستقلة انهارت وأغلقت أبوابها بسبب التمويل، وينقسم الإعلام فى العراق الى قسمين وهما الإعلام المسيس وهو الإعلام الأقوى في العراق وينقسم الى أربع أقسام من حيث التبعية والتمويل ويشمل الإعلام الحكومي، والإعلام الحزبي، والإعلام الممول من الدول المجاورة، والإعلام الديني الطائفي، ومؤخرا قامت هيئة الإعلام والاتصالات العراقية بإدراج 12 قناة عراقية وعربية على لائحة القنوات المحرضة على الإرهاب.

ورافق الفوضى السياسية، فوضى إعلامية يصعب الفرز بين تفرعاتها، مابين فوضى اطلاق القنوات الفضائية الغامضة الانتماء والتمويل، وفوضى المضامين والسياسات، وفوضى العلاقة بين الإعلام والجهات الحكومية، وفوضى الانتماءات والولاءات، وفوضى الصياغات والتعابير والمصطلحات، وفوضى المهنية  وتفاوت المهارات التنفيذية وغياب التخطيط.

وتسيدت فوضى الخطاب الإعلامي من حيث المضمون والصياغة وحتى اختيار المفردة وانحياز الفضاءيات الواضح الى الجهة المالكة والممولة، ومما يزيد الموضوع ارباكاً ان الاحزاب او الجماعات السياسية دونما مناهج او خطط سياسية معلنة يهتدي بها العاملون في المؤسسات الإعلامية ، لكن ضمن تخمينات عن توجهات تلك الجهات السياسية التي تنتمي اليها المؤسسة الإعلامية ولضمان انتماء وولاء تلك الفضائيات والسلامة الفكرية او المذهبية  التي تريدها، نصبت على ادارتها أهل الثقة وغالباً غير إعلاميين !!

ومع كثرة الفضائيات الجديدة ظهر نقص حاد في المهارات التقنية والمهنية ، فاستعانت القنوات بأنصاف المحترفين لشغل اية مهنة تحتاجها ، فتسلق الكثير من الهواة والمبتدئين وغير المؤهلين، وشاعت الفوضى المهنية، ومعها  فوضى الاجور التي لا تتناسب مع حجم العمل والمهارة ولا المؤهلات العلمية وعمدت الكثير من الفضائيات التي تتلقى تموليا ودعما غامضا، الى دفع اجور سخية كي  ” تغوي” من القنوات الاخرى المهارات،وقد تقلص هذا الجانب مؤخرا بسبب شحة السيولة المالية، وبرزت ظاهرة  الاستخفاف بالصنعة والمهنة ونشأت طبقة من ممارسي المهن الإعلامية وخاصة التلفزيونية دون قاعدة علمية تخصصية، وهى طبقة جديدة ستعاني من البطالة اذا تقلص عدد الفضائيات بانحسار التمويل بعد انتهاء مهماتها السياسية المرحلية

لكن مصر وإعلامها والذى يمثل مدرسة إعلامية رائدة فى المنطقة العربية لم يتعرض لتدخل أجنبى أو صدمة الانتقال السريع والمفاجئ من الإنغلاق المفرط الى الإنفتاح المنفرط، الا أن الإعلام فى مصر و دوره هام فى الاحداث الفارقة خاصة فى عامى 2011 و2013 وما تلاهما- لم يحقق المأمول محلياً وعربياً و دولياً ؛ وجاء دستور عام 2014 ليفرد سبعة مواد بخصوص الحريات الصحفية والإعلامية والتعبير عن الرأى، والتى جاءت فى  الباب الثالث تحت عنوان ” الحقوق والحريات والواجبات العامة” بالمواد 68 و70 و71 و72 وفى الباب الخامس تحت عنوان “نظام الحكم” بالمواد 211 و212 و213 ، وكانت د. درية شرف الدين آخر وزير للإعلام يوليو 2013- يونيو 2014 لكن مازال هناك من يأمل عودة وزارة الإعلام.

وفى ظل غياب البرلمان – والمقرر انعقاد أول جلسة له فى 10 يناير 2016 – وما يمثله الإعلام كسلطة رابعة فقد ظهرت أعراض الفوضى بعدما أصبح الإعلام بلا قانون وبلا وزارة وبلا نقابة وبلا ميثاق شرف وبلا وثيقة لحماية الجمهور من الفوضى الإعلامية ، وأيضاً بدون الهيئات التنظيمية التى اشير اليها فى باب نظام الحكم من الدستور وهى: المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام والهيئة الوطنية للصحافة و الهيئة الوطنية للإعلام، وبدت بعض سمات الفوضى الإعلامية المهنية فيما مارسه الإعلام من اقتحام الخصوصية، وعدم مراعاة الذوق العام ، ومشاهدة السباب والمهاترات المتبادله على الشاشات، وبث فيديوهات بذيئة، وتسريبات تليفونية خاصة، واخبار مجهله أو عن مصادر غير موثقة،والخلط بين الخبر والرأى، وتقديم الرأي علي أنه الحقيقة وأن الرأي المخالف هو الباطل،وضيوف متكررون، ومنافسات على الاثارة، وساعات طويلة ليلية لبرامج التوك شو، وتباين رأى الاعلامى حسبما بوصلة السلطة، يوما زعيم معارض ويوم آخر تصفيق ومديح، أضافة الى الايماءات والاشارات التى تعنى خلاف ما ينطق !

وفى نهاية عام 2015 أكد خبراء وأهل الإعلام على استفحال هذه الفوضى الإعلامية “سمك ولبن وتمر هندى” حيث ذكر الدكتور صفوت العالم أستاذ الإعلام بجامعة القاهرة: ” المشهد الإعلامى يؤكد وجود حالة من الفوضى، وعدم المهنية فى الأداء ووجد عدد غير قليل فى البرامج تتصدر المشهد الإعلامى بممارسات انفعالية، وأحياناً بألفاظ لا تليق مما يحمل الإعلام أنساقاً وقيماً غير مطلوبة سواء على مستوى التحول السياسى، أو النسق القيمى، ووجود نوعية جديدة من الضيوف المنفلتين التى تتكرر استضافتهم فى كثير من البرامج ويوجهون الاتهامات لكل من يعارضهم دون أدلة أو شواهد ويستخدمون ألفاظاً صارت مألوفة مع أنها أبعد ما تكون عن إعلام يدخل البيوت ويشارك فى تربية النشء.”

ويرى الدكتور سامي عبد العزيز، عميد كلية الإعلام بجامعة القاهرة الأسبق: “إن معظم برامج التوك شو فقدت الاتجاه الصحيح والهدف التى تبث لأجله، وتركز هذه البرامج على موضوعات لا تحمل أولويات حقيقية للجمهور، وليس بها أى جهد أو بحث حقيقي في الإعداد، وبتحليل مضمون هذه البرامج، نجد أن 50% من المادة المقدمة مأخوذة عن مواقع إلكترونية ومواقع تواصل اجتماعي، واستسهال في اختيار نوعية الضيوف، وخلط بين الرأى والمعلومة، وعدم تواجد توازن بين عرض السلبيات وعرض الإيجابيات.”

بينما يرى الخبير الإعلامي الدكتور ياسر عبد العزيز: “إن الأداء الإعلامي وخاصة في برامج التوك شو،  وصل الالتزام المهني فيها إلى أدنى مستوياته خلال 2015، موضحا أن السمات العامة لهذه النوعية من البرامج التليفزيونية، تتلخص في التركيز على نجومية المذيع وليس أهمية الموضوع، وتراجع الاهتمام بفريق الإعداد، وشخصنة الموضوعات والقضايا دون وجود موضوعات حقيقة، وهناك ضرورة لسرعة إصدار التشريعات الإعلامية، لضبط المشهد الإعلامي.”

أما الدكتورة ليلي عبد المجيد، عميد كلية الإعلام بجامعة القاهرة سابقًا فتقول: “أن الإعلام المصري يمر بحالة من فوضى، في ظل غياب التشريعات الملزمة للفضائيات، والنقابة التى تلزم الإعلاميين بميثاقها، وان بعض الإعلاميين تحولوا من مقدمي برامج إلى زعماء ونشطاء سياسيين، ومؤسف أن أصبح الإعلامي انعكاس لما يحدث في المجتمع، بينما أن الجمهور كان ينتظر أن يكون هو الطليعة وجزء من الحل وليس المشكلة”

بينما قال الدكتور حسن علي، عميد كلية إعلام المنيا، ورئيس جمعية حماية المشاهدين والمستمعين والقراء: “إن عام 2015، هو الأسوأ في تاريخ برامج التوك شو، مضيفا ان مقدمي هذه البرامج ارتكبوا اخطاء مهنية جسيمة، كان أبرزها التلاسن والتراشق بالألفاظ بين الإعلامي عمرو أديب، وخالد صلاح، وما فعله الإعلامي أحمد موسى، بعرض صورا فاضحة نسبها للمخرج خالد يوسف، وأيضا التراشق بالألفاظ بين أسامة هيكل وتهاني الجبالي، متسائلا” ما ذنب الجمهور ليشاهد كل ذلك على التليفزيون؟ … الدولة تتحمل المسؤولية الأكبر للتدنّي المهنيّ والفوضى الإعلامية، وتشجع على الانفلات الإعلامي بصمتها على ما يحدث من تجاوزات وجرائم مهنية أو من خلال تقاعسها عن إصدار التشريعات اللازمة لتنظيم وضبط الأداء الإعلامي، إن هذه البرامج لم تقدم معلومات أو ثقافة، بل انشغلوا بتصفية الحسابات الشخصية بينهما من اجل التقرب إلى السلطة.”

وشهد شاهد من أهلها حيث أكد الإعلامي خيري رمضان: “أن عام 2015 هو عام تشوه الإعلام، إذ قدم بعض الإعلاميين نماذج سيئة جدًا أفقدت الإعلام  مساحة من التعاطف، مدللاً بقوله على تهديد بعض الإعلاميين لآخرين بامتلاكهم تسريبات ضدهم وما شابه، قائلًا: “القضاء على الفساد يحتاج لإعلام قوي”. وبدى الإعلام و دوره هام فى مكافحة الفساد مجالاً لافتقاد التوازن الصحى و وسيلة للأفساد ثقافة ومعرفة وذوقا وعلما وتسلية.

وبحثاً عن أخلاقيات الإعلام نظرياً وشفهياً أو عملياً وتحريرياً – مع تقديرى ليس هناك نموذج مثالى-  ما لفت الانتباه كان وسائل الاعلام الفرنسية من احداث الارهاب الذى ضرب باريس يومى 13و 14 نوفمبر 2015 ، والذى اسفر عن وفاة 137 فردا بينهم 7 من الجناه وعدد 368 جريح، ولم ينشر الاعلام الفرنسى صورة لقتيل أو جريح دامى وذلك بناء على أوامر من “المجلس الأعلى للإعلام البصرى” بعدم عرض صور أي هجمات إرهابية لكي لا تشارك هذه الأجهزة في بث حملة الرعب التي يريد الإرهابيون توصيلها للرأي العام الفرنسي، بينما ينشر الاعلام الفرنسى صور القتلى والجرحى فى مناطق أخرى فى نموذج لازدواجية المعايير.

لكن ربما تمثل هيئة الاذاعة البريطانية نموذجاً لإعلام مستقل يمول من اشتراكات البريطانيون فى قنوات التليفزيون، ولذا فأنها اعتبارياً مسئولة أمام الجمهور وليس أمام الحكومة، ومن ثم تفرد قيم اخلاقية ومهنية إعلامية متميزة وفيما يتعلق بالاسلوب والمحتوى واللغة التى تقدم في التلفزيون والراديو والانترنت، وجوهر هذه القيم: نشر الحقيقة وفى دقة وحيادية واستقلالية مع مراعاة المصلحة العامة والمسؤولية تجاه الجمهور.

ومن حيث الاسلوب والمحتوى، ترى البي بي سي أن الأسلوب لايعنى اللغة فقط بل يتجاوزه إلى كل ما من شأنه أن يسهم في تشكيل انطباع في ذهن المتلقي عن “شخصية” المحطة كوسيلة إعلامية، والتى تهدف الى أتباع أسلوب ينقل لمشاهدي التلفزيون ومستمعي الإذاعة وجمهور الموقع الإلكتروني، إحساسا بأعلى درجات الاحتراف والرقي والبساطة والسلاسة والحداثة. وينعكس هذا في اللغة و أسلوب الكتابة والحديث والملابس والإيماءات والإشارات والحركات وطريقة ادارة الحوار، وتؤكد على ضرورة الالتزام بمعايير التوازن والحياد والموضوعية، ويتجاوز ذلك من مجرد التذكير ببعض قواعد النحو والصرف، وبما يحقق اتساق لغوي وأسلوبي في جميع الخدمات ، وعند نقل المعلومات لابد من مراعاة نقل المعنى بدقة وليس مجرد نقل ترجمات وكلمات؛ والمقصود هنا ليس مجرد التزام حرفية النص فحسب، ولكن أيضا إدراك السياق الذي تأتي فيه الكلمة، وأن المرادفات المتداولة لبعض الكلمات الإنجليزية قد تحمل معنى مختلف عن المقصود في النص الأصلي.

وينبغى استخدام لغة وصفية وحيادية، دون موقفا سلبيا أو إيجابيا مما يجرى من أحداث، والقاعدة العامة هي أن يكون المذيع أو المراسل “راوياً” ينقل الحدث ولكنه ليس جزءا منه، وهناك استثناءات عندما يكون فيها المراسل راوياً عن تجربة ذاتية، كما ينبغي توخي الحرص في استخدام أدوات التنكير والتعريف لان استخدامها في غير موضعها قد يضر بالمعنى، ويستحسن تجنب ألقاب مثل محلل سياسي، أو خبير بل يجب نسب الضيف الى مكانته الوظيفية.

ويؤثر أسلوب إدارة الحوار إلى حد كبير على انطباع المشاهدين والمستمعين، وطريقة إجراء الحوار لا بد أن تعكس قدرا كبيرا من الحياد، وقدرة على تقليب جميع وجهات النظر وطرح الأسئلة التي قد لا تطرح على الضيوف في محطات أخرى، مع الالتزام باحترام الضيف مهما كانت اتجاهاته، على أن ينوب المحاور عن الجمهور ويسأل الأسئلة التي يتوقع أن يرغب الجمهور في الحصول على إجابات عنها. ولكنه في الوقت ذاته لا ينبغى أن يتبنى ما يتصور أنه وجهة نظر المشاهد بحيث تبدو كما لو كانت وجهة نظره الشخصية.

وضرورى أن يشعر الضيف، في حدود المعقول، بأنه أعطي الفرصة للتعبير عن رأيه وللأجابة بحرية على ما طرح عليه من أسئلة. ولكن هذا لا يعنى أن تترك له المساحة للترويج والدعاية، ولابد للمحاور أو معد الحوار أن يقلب الموضوع على كل وجوهه، ويطلب إيضاح التناقضات في ما قد يطرح من خلال إجابات المسؤولين أو من خلال التباين بين ما يقولونه وما يفعلونه على أرض الواقع، أو بين ما يقولونه الآن وما قالوه في السابق، وينبغي أن يعامل مختلف الضيوف بالقدر ذاته من الاحترام وأن تواجه حججهم بالدرجة نفسها من الاختبار والتمحيص.

ومن حيث المحتوى ؛ تؤكد الـ بي بي سي على ضرورة تحرى الدقة أكثر من الاهتمام بالسرعة، وليس من المقبول تقديم تقرير عن مصادر لاتتمتع بموثوقية ومصداقية عالية مثل مواقع التواصل الاجتماعى، ويشترط عند التناول أن يكون فى حيادية وعدالة وانفتاح وموضوعية، وعدم الاستفادة من منظمات خارجية او مساهمين، تحت أي ظرف حيث تتكفل بي بي سي بتغطية نفقات السفر والاقامة والتسهيلات. ويجب على منتمى الـ بي بي سي الحصول على موافقة الادارة عند اطلاق مدونة خاصة، ويشترط فى المدونة الخاصة عدم تقديم وجهة نظر سياسية او آراء تفضيلية أو الكتابه بانحياز، واذا أضطر منتمي الـ بي بي سي أشراك اطفالاً فعليه الحصول على موافقة مسبقة منهم وموافقة ذويهم، وفى كل الاحوال يجب التوازن بين مصلحة الجمهور والدقة في نقل المعلومة، وتجنب الكشف غير المبرر للخصوصية عند تناول حوادث أو كوارث أو حرب، واذا تطلب الأمر مقابلة جريح او مفجوع يجب أن يكون عبر وساطة أقرباء أو أصدقاء أو مستشارين، كما لا تخضع الـ بي بي سي لشروط مسبقة من الضيوف.

شاهد أيضاً

من خواطرى : كلام شباب .. بقلم: منى حسن

كنت قاعدة مع مجموعة شباب يعني فى حوالى تلاتينات .. عشرينات … كان واحد منهم, ...