الرئيسية / مقالات / مجتمعات السعادة وتجمعات التعاسة !!! .. بقلم حسن الهامى

مجتمعات السعادة وتجمعات التعاسة !!! .. بقلم حسن الهامى

hasan elhameالمسافة مابين الغرب والشرق؛ أن قيست بالأميال فإنها الآف الأميال والتى يمكن أن تقطعها الطائرات فى ساعات، لكن إن قيست بمكنون الأفكار فإنها فى أصولها وفروعها؛ مسافة بعيدة للغاية، هى المسافة ما بين المادى والروحى، ما بين الحسى والمعنوى، مابين العقلى والقلبى، وهى نفسها المسافة التى جعلت  مؤشرات التقدم فى الغرب؛  غالباً مؤشرات مادية وكمية، لذا بحكم قوة وسيطرة الغرب، راج معيار النجاح والتفوق طبقا لمؤشرات المال والأعمال، والتى أبرزها معيار الناتج المحلى الاجمالى GDP ، وتقدمت مملكة بوتان من الشرق لتهدى العالم معياراً بديلاً جديداً وهو معيار السعادة الاجمالية الوطنية GNH.

والناتج المحلى الأجمالى  GDP معيار اقتصادى كمى وهو محصلة القيمة السوقية المحلية لكل السلع والخدمات  النهائية التى يتم إنتاجها داخل الدولة خلال فترة زمنية محددة، أى  كل ما ينتج من قبل الأفراد والشركات داخل الدولة. ويساعد على قياس مؤشر لمستوى معيشة الفرد داخل الدولة.وبشكل أخرى يعتبر الناتج المحلى مقياساً لأداء الإقتصاد فكلما زاد معدل الناتج المحلي الإجمالي كلما زاد حجم الإقتصاد الكلي وبالتالي يزيد حجم الدخل الكلي  وفي النهاية يقابله زيادة الدخل الذي يحصل عليه الفرد.وأيضا ينتج عن زيادة الدخل الكلي توسع النشاط الإقتصاد والقيام بمشروعات جديدة وخلق فرص عملة جديدة و زيادة الإستهلاك المحلي من السلع والخدمات أي إرتفاع معدل الإستهلاك لدى الفرد.

أما السعادة الأجمالية الوطنية GNH معيار معنوى كيفى وهو محصلة كل من الناتج المحلى الأجمالى للفرد بمعيار القوة الشرائية، ودرجة الدعم الاجتماعى عند الشدة من الأقارب والاصدقاء، والحياة الصحية المتوقعة عند الميلاد، ودرجة الحرية فى أتخاذ قرارات الحياة عبر إجابة الافراد عن سؤال هل انت راضى أو غير راضى عن حريتك فى ما تعمل بحياتك؟، درجة السخاء أو الكرم عبر اجابة الأفراد عن سؤال هل سبق وتبرعت الى جمعية خيرية ؟، درجة توقعات الفساد باجابة الافراد عن سؤال هل الفساد واسع الانتشار فى الحكومة وقطاع الأعمال؟، اضافة لتضمين درجة مشاعر السعادة الايجابية من الضحك والمتعة أو المشاعر السلبية من القلق والحزن والغضب، مع المقارنة بمعيار دولة أفتراضية دايستوبيا Dystopia تمثل أقل متوسطات نتائج الدول خلال الفترة 2012- 2014.

والغريب أن بوتان التى فرضت أسمها على العالم بذلك الفكر الانسانى المستنير، ليست الا دولة صغيرة وفقيرة ومهددة مناخياً ومغلقة وكانت منغلقة لم تنفتح على العالم الا منذ أربع عقود، وتقع فى جنوب آسيا ما بين ثلاث عمالقة وهم: الهند والصين وجبال الهيمالايا، وتبلغ مساحتها 38 الف كم 2 ؛ أى أن محافظة الجيزة ضعف مساحتها، بينما عدد سكانها نحو 750 الف نسمة أى أن سكان القاهرة الكبرى 30 ضعف عدد سكانها.

ومنذ عام 1971، قامت مملكة بوتان بأعتماد معيار السعادة الاجمالية الوطنية ورفع نظامها الإقتصادي شعاره المشهور بأن السعادة الوطنية الشاملة هي أهم ناتج قومي للبلاد. وبناء على اقتراح تقدم به رئيس وزراء بوتان، قامت الجمعية العامة للأمم المتحدة فى دورة انعقادها الخامس والستون بتاريخ 19 يوليو 2011 بأقرار السعادة معيارا للتنمية وهدفا للسياسات العامة للدول الاعضاء ، وفى 2 ابريل 2012 وعلى هامش اجتماع عالى المستوى للأمم المتحدة حول السعادة والرفاهية، تقرر دعم أصدار التقرير الأول للسعادة فى العالم لعام 2012 ، وفى دورة انعقاد الجمعية العامة للأمم المتحدة السادسة والستون بتاريخ 28 يونيو 2012 ؛ تقرر إعلان ” اليوم الدولى للسعادة” على أن يكون فى 20 مارس سنويا، وتم اصدار التقرير الثانى للسعادة فى العالم عام 2013 ، والتقرير الثالث فى 23 ابريل 2015 .

وقال الأمين العام للأمم المتحدة بان كي مون: “إن العالم بحاجة إلى نموذج اقتصادي جديد يحقق التكافؤ بين دعائم الاقتصاد الثلاث: التنمية المستدامة والرفاهية المادية والاجتماعية وسلامة الفرد والبيئة ويصب في تعريف ماهية السعادة العالمية… وأتمنى لكل فرد في جميع أنحاء العالم يوماً سعيداً جداً في اليوم الدولى للسعادة! إن السعي لتحقيق السعادة عمل جاد. فتحقيق السعادة للأسرة البشرية بأسرها يعد أحد أهداف الأمم المتحدة الرئيسية.”

وهكذا نجحت مملكة بوتان الصغيرة حجما و وزنا والعملاقة أنسانيا والبوذية غالباً فى أقرار “اليوم الدولى للسعادة” وعلى غرارها نجحت جارتها الهند الهندوسية غالبا فى 11 ديسمبر 2014 فى اقرار “اليوم العالمى لليوجا” على أن يكون فى 21 يونيو سنوياً، وتبقى الصين الكونفوشيوسية غالباً التى قد تفاجأ العالم باليوم العالمى الأصفر !

ومما يثير التعجب أيضا ، أن بوتان التى تعتمد السعادة نهجاً وهدفاً، تواجه تحديات ضخمة حيث لا تزال واحدة من أفقر دول العالم، ونحو ربع عدد سكانها يعيشون على أقل 1.25 دولار يوميا، و 70٪ من السكان يعيشون بدون كهرباء، وتعانى من ارتفاع جرائم العنف وثقافة العصابات وزيادة فى عدد السكان – لم تتجاوز المليون نسمة – مصحوبا بأرتفاع أسعار الغذاء فى العالم، ويهددها تغيرات مناخية يواكبه احتمالات حدوث فيضانات كارثية.

والثقافة البوذية مفتاح فك شفرة سعادة وفقر بوتان فى آن ، وحاولت تفسيره الـ BBC فى أبريل 2015 من خلال تحقيق صحفى تحت عنوان: ” السر العجيب للسعادة في مملكة بوتان” وتصادف أن شعر موفد الاذاعة البريطانية بالاعياء فنصحه المرافق البوتانى: “عليك أن تفكر بالموت لمدة خمس دقائق، كل يوم، سيشفيك ذلك، … إنه الخوف من الموت، الخوف من أن نموت قبل أن ننجز ما نريد، أو أن نرى أولادنا وهم يكبرون، ذلك ما يشغل بالك ويقلقك… يجب علينا أن نكون متهيئين للحظة زوالنا من الوجود”

في ثقافة مجتمع مملكة بوتان، يُتوقع من المرء أن يفكر في الموت خمس مرات في اليوم، ذلك أمر لافت للنظر لأي شعب كان، وخاصة أولئك الذين يرتبطون بشكل وثيق بالسعادة مثل مواطني بوتان،فهل هي، في الخفاء، تمثل بلاد الظلمة واليأس؟ ليس الأمر كذلك، إذ يشير بحث أجري حديثاً إلى أن أهل بوتان، بتأملهم للموت في أحيان كثيرة، ربما يكون لديهم شيء ما. . وكما يقول البوذيون: “لا ينبغي عليك أن تهاب الموت أكثر من خوفك من التخلص من ملابسك البالية.”

وفي دراسةأجريت عام 2007، قسّم عالمان نفسانيان من جامعة كنتاكي بالولايات المتحدة الأمريكية، عشرات من الطلبة في بوتان إلى مجموعتين: طُلب من أفراد إحدى المجموعتين أن يتأملوا ما لاقوه من ألم عند مراجعة طبيب الأسنان، بينما أعطي أفراد المجموعة الثانية تعليمات للتفكير في طريقة الموت التي سيلاقونها. ثم طُلب من أفراد المجموعتين أن يكملوا بقية كلمات مثل “فر–“. كان أفراد المجموعة الثانية -التي فكرت في الموت- أكثر ميلا لاستخدام كلمات ومعانٍ إيجابية، مثل “فرحة”. وهذا ما جعل الباحثين لاستنتاج أن “الموت يجسد نفسياً حقيقة تهدد البقاء، لكن عندما يفكر فيها الناس مليّاً، يبدو أن النظام التلقائي للعقل البشري يبدأ في البحث عن أفكار أخرى سارة”.

وكتبت ليندا ليمنغ، مؤلفة كتاب “دليل ميداني للوصول إلى السعادة: ما تعلمته في بوتان عن الحياة والمحبة والصحوة” : “أدركتُ أن التفكير في الموت لا يجعلني مكتئبة، إنه يجعلني أغتنم كل فرصة، وأرى الأمور التي لم أكن لأراها عادة، أفضل نصيحة أقدمها هي: سافروا إلى هناك، تأمّلوا في أمرٍ لا يمكن التفكير فيه، وهو ما يرعبك عدة مرات في اليوم ، بخلاف الكثيرين في الغرب، لا ينفر البوتانيون من الموت. الموت – وصوره وأشكاله- يظهر في كل مكان هناك، وخاصة في صناعة تماثيل بوذا، حيث ستجد ألواناً وزخارف مروعة، لا أحد، حتى الأطفال، يظل بعيدا عن هذه الصور والأشكال، أو عن رقصات الطقوس التي تجسد الموت. ”

وعقب وفاة أي شخص، تقام فترة حداد لمدة 49 يوماً لتشمل شعائر تفصيلية ومرتّبة بعناية، “ذلك أفضل من أي علاج للاكتئاب”. …وتقول ليندا أيضا: “نحن في الغرب، نريد أن نعالج الأمر إذا انتابنا شعور بالحزن، إننا نهاب الأسى، ونراه أمراً يحتاج التغلب عليه إلى استخدام الأدوية، أما في مملكة بوتان، فهناك تقبّل له، إنه جزء لا يتجزأ من الحياة”.

هذا وقد ابدى كثير من قادة العالم اهتماما بنهج بوتان نحو السعادة قياسا ونهجا وهدفا ؛ ومن بين من أبدى اعجابه بذلك كل من أنجيلا ميركل المستشارة الالمانية و بارك جين رئيس كوريا الجنوبية و ديفيد كاميرون رئيس وزراء بريطانيا والشيخ محمد بن راشد آل مكتوم نائب رئيس دولة الإمارات، رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي ، ومن ناحية أخرى قامت منظمة التعاون الاقتصادى والتنمية OECD التى تضم فى عضويتها 34 دولة (25 أوربا، 4 الامريكتين، اسيا 3، أوقياسيا 2) باصدار دليلا ارشاديا لنهج واستهداف سعادة الدول ومواطنيها، وتبدى منظمات للمجتمع المدنى فى بريطانيا اهتماماً بدراسة واستيعاب نهج واهداف السعادة والرفاهية ، ومؤخراً اطلقت بريطانيا مركز رسمى مستقل لاستهداف السياسات والاعمال بما يحقق الرفاهية، وعلى مستوى المدن فقد وضعت السعادة والرفاهية على قائمة مدن خاليسكو بالمكسيك، وسانت مونيكا بكاليفورنيا –الولايات المتحدة، وبريستول –بريطانيا.

أما دولة الامارات العربية المتحدة فقد جاءت من حيث السعادة فى الترتيب الأول عربيا والرابع عشر عالميا فهى حالة خاصة للغاية، الامارات وضعت السعادة والرفاهية منهجا وهدفا على اجندتها الوطنية وذلك من خلال خطة أطلقتها فى ديسمبر 2014 تهدف أن تصبح الامارات أكثر الدول سعادة فى العالم بحلول عام 2021 وذلك من خلال ستة محاور وهى :  الأفراد:  موطنٌ لأفرادٍ مبدعين وممكَّنين، ملؤُهم الفخرُ والسعادة،  المجتمع:  مجتمعٌ متلاحمٌ ومتماسك،  التجربة المعيشية:  المكانُ المفضل للعيش والعمل، والمقصدُ المفضّلُ للزائرين،  المكان: مدينة ذكيه ومستدامة،  الاقتصاد:  محور رئيس في الاقتصاد العالمي،  الحكومة: حكومة رائدة ومتميزة.

وقامت الامارات بأستحداث منصب وزير دولة للسعادة، ومهمته الأساسية هي مواءمة كافة خطط الدولة، وبرامجها، وسياساتها لتحقيق سعادة المجتمع، واستحداث منصب وزير دولة للتسامح، لترسيخ التسامح كقيمة أساسية في مجتمع الإمارات، لتكون الدولة العربية الأولى في ذلك.

وبينما جاءت مصر فى الترتيب 135 من حيث السعادة الا أنه فى نوفمبر 2015 اعلن الدكتور أشرف العربى، وزير التخطيط، عن خطة الحكومة المصرية، والتى تمهد الطريق لأن تكون مصر من أسعد 30 دولة فى العالم فى توقيت زمنى أقصاه 2030. وقال أشرف العربى موجها حديثه للمصريين، خلال ندوة نادى روتارى 6 أكتوبر : “أبشروا بعد هذا التخطيط والتنظيم الإدارى الذى نعمل به الآن ليس من المستحيل أن تكون مصر من أسعد 30 دولة فى العالم فى عام 2030”.

وفى تقرير سعادة العالم لعام 2015 ، طبقا لاعوام 2012- 2014 والذى شمل عدد 158 دولة ، جاء ترتيب أكثر عشر دول تمثل مجتمعات السعادة فى العالم على النحو الآتى : سويسرا ، أيسلندا، الدانمارك، النرويج، كندا، فنلندا، هولندا، السويد، نيوزلندا، استراليا، أما اكثر عشر دول والتى تمثل تجمعات التعاسة فى العالم من الأتعس الى الأقل تعاسة: توجو، بورندى، سوريا، بنين، رواندا، افغانستان، بوركينافاسو، ساحل العاج، غينيا، تشاد ، ويلاحظ أن معظم هذه الدول من أفريقيا، وقد جاءت سوريا فى الترتيب 156 قبل بورندى وتوجو الاخيرتين، أما ترتيب الدول العربية فقد جاء على النحو الآتى: الامارات، عمان، قطر، السعودية، الكويت، البحرين، ليبيا، الجزائر، الاردن، المغرب، تونس، فلسطين، العراق، السودان، مصر، اليمن، سوريا.

ومما يجدر ملاحظته ان ترتيب الدول وفقا لمؤشر السعادة ليس من الضرورى ان يطابق ترتيبها وفقا لمؤشر الناتج المحلى الاجمالى أو مؤشر متوسط الناتج المحلى الأجمالى للفرد بمعيار القوة الشرائية، وعلى سبيل المثال يبدو ذلك فى بعض الدول والذى قرين كل منها ثلاثة أرقام ، الرقم الاول يمثل ترتيب الدولة من حيث مؤشر السعادة ، والثانى ترتيبها حسبما الناتج المحلى الاجمالى (المصدر البنك الدولى عام 2014) ، والثالث حسبما متوسط ناتج الفرد (المصدر: البنك الدولى 2011-2014)  ومن ابرز الامثلة على ذلك كل من كوستاريكا: 12 – 78 – 79 ، المكسيك: 14 – 15 – 67، بنما: 25 – 87 – 57، شيلى: 27 – 41 – 52 ، بوتان: 79 – 166 – 112 ، مصر: 135 – 38 – 92.

واذا كان معيار السعادة والرفاهية والمرتبط بمفهوم الرضا من المعايير التى ستلقى أقبالا الا أنها قد تؤدى الى مقارنات شديدة الحساسية بين من هو سعيد ومن هو تعيس، وهذا اما أن يزيد الفجوة والشقاق فى العالم، وأما أن يمثل رسالة للتعاطف الانسانى من الدول الغنية السعيدة الى الدول الفقيرة التعيسة، ولكن ما يميز هذا المعيار هو اشارته على أن درجة السعادة لاترتبط بالدخل المادى وحده بل ترتبط الى حد كبير بدرجة الرضا وحالة التعايش أمناً وسلاماً !

شاهد أيضاً

من خواطرى : كلام شباب .. بقلم: منى حسن

كنت قاعدة مع مجموعة شباب يعني فى حوالى تلاتينات .. عشرينات … كان واحد منهم, ...