الرئيسية / مقالات / الدستور ولّا القانون؟ .. بقلم : محمد درويش

الدستور ولّا القانون؟ .. بقلم : محمد درويش

درويشنشر الصديق المشرف علي صفحة الحوادث في الأخبار خبرا مؤداه أن زوجة -لم ينشر اسمها- قتلت زوجها -لم ينشر اسمه- ليخلو لها الجو مع عشيقها -لم ينشر اسمه- أيضا.
الغريب أن الزميل الذي لم يشر إلي اسماء الزوجة أو الزوج القتيل أو العشيق ترك اسم شقيق الزوجة وهو موجه بالتعليم رباعيا باعتباره أنه قام بالابلاغ عن اختفاء زوج شقيقته حتي عثرت الشرطة علي جثته  وقبضت علي الجناة.
ناقشت الزميل في جريمة النشر التي ارتكبها بذكر اسم صاحب البلاغ ووظيفته في مضمون الخبر وقلت له ان هذا معناه انك تهدم اسرة بالكامل، فلو افترضنا ان صاحب البلاغ له بنات علي وش جواز كما يقولون من سيفكر في الاقتران بهن وعمتهن قاتلة لزوجها، وما الداعي لهدم كيان اسرة بالكامل كان من الممكن أن يظل خبر الجريمة البشعة في محيط ضيق ولايتسع نطاقه كما يحدث مع النشر.
وتحولت المناقشة من مجرد إرساء مبادئ في النشر إلي تراشق ومجادلات عندما قال لي متهكما: كانوا من بقية اقاربك.
عبثا حاولت أن أوضح له الأمانة التي يجب أن نتحلي بها في عرض مثل هذه القضايا والدليل اننا نخشي وضع الاسماء كاملة لمن يقبض عليهن متلبسات في قضايا الدعارة، وطبعا ليس كونه تقليدا صحفيا بقدر ما هو الخوف من أن يرجعن علي الجريدة بالتعويضات اذا ما برأتهن المحكمة من تهمة الدعارة.
قلت له يجب أن تتساوي كل القضايا التي تمس الشرف والعرض عند النشر كما تخشي من نشر اسماء اصحاب المقام الرفيع اذا ما ارتكبوا جناية وأخذت أخبارهم طريقها للجريدة.
أعادتني هذه الحكاية التي مضي عليها عقدان إلي الغابة الاعلامية التي نعيش فيها منذ سنوات قلائل.. تمتلئ الغابة بالاسود والقرود والشمبانزي والجوارح والثعابين والعقارب.. كل ما يمكن أن تجده في الغابة الطبيعية يوجد الآن أمثاله في الغابة الاعلامية، غابة لايمكن أن تبصرها من بعد ولكن عليك أن تبتعد اتقاء لشر ما فيها.
هذا ما أحاول أن أفعله تجاه زخم الفضائيات التي يذخر بها عصر السموات المفتوحة.
اكتشفت فجأة أن شهورا تمضي عليّ دون أن أجلس أمام شاشة الفضائيات ودون أن أفكر في لحظة واحدة أن أدير الريموت كونترول اتنقل من هذه إلي تلك لعل هناك ما يستوقفني.
اكتفيت بما تبثه المواقع الاخبارية علي النت وتركت لعقلي الانتقاء فيما يجب أن أسمعه وأعرفه جيدا وما يجب أن أمر عليه مرور الكرام ولا أعيره التفاتا.
وربما لو لم اكن صحفيا لاستغنيت تماما عن كثير مما هو مطبوع أو مرئي ولاكتفيت بالمسموع مثل محطات اذاعة اغاني الزمن الجميل أو اذاعة القرآن الكريم أو البرنامج الثاني وما شابه.
ولولا مهنة الصحافة وأنه من المخجل ألا أكون علي علم بما يتداوله الاصدقاء والمعارف مما تفيض به علينا الفضائيات من غث أو سمين لكانت كلها في نهاية برنامجي اليومي وفي أدني مراتب الاهتمام اذا رتبنا الأولويات والمطلوب من انسان مثلي لدنياه وآخرته.
رغم ذلك لا استطيع الفكاك من الغث الذي تبثه معظم البرامج، حيث أجد عيني في رحلة البحث عن آخر الاخبار عبر شبكة النت.. تصدمهما العناوين التي يختارها الموقع لجر رجلك إلي القراءة الكاملة للموضوع، ولم يعد للعنوان جاذبية تشدك إلي متنه وانما لف ودوران في محاولة لخداع المتتبعين للدخول إلي الموقع، وتقريبا كل دخول بفلوس يتقاضاها أصحاب الموقع أو تجذب المعلنين وإلا ما كانت مواقعهم مجانا علي شبكة الانترنت يبتغون بها وجه الله ومصلحة الوطن.
في سنوات مضت كان اساتذتنا يطلقون علي مهنتنا أنها مهنة من لا مهنة له، اشارة إلي البعض من الذين لايستطيعون اجراء حوار كما ينبغي مع مصدر ما أو الحصول علي خبر منه والعودة بخفي حنين إلي صالة تحرير الجريدة وايضا عدم قدرة البعض علي صياغة جملة واحدة دون خطأ نحوي أو املائي فضلا عن الخطأ الاسلوبي.
تتجسد هذه المقولة أمامي هذه الأيام وأنا أطالع -وصدقوني أطالع فقط- بعض ما يقوله هؤلاء الذين اقتحموا مجال الاعلام المرئي وبفلوسهم،دون سابق خبرة أو تدريب، هبطوا بالبراشوت علي قمة العمل الاعلامي عندما يصبح للواحد منهم برنامج  لمدة ساعتين طوال خمسة أيام في الاسبوع، هؤلاء لم يبدأوا كما بدأت أجيال سبقتهم بسلم صاحبة الجلالة مكتوبة كانت أم مرئية وصعدوا الدرج خطوة خطوة حتي وصلوا إلي ما حققوه وما اكثر المغمورين والجنود المجهولين في بلاط  صاحبة الجلالة الذين قامت علي اكتافهم نهضتها وتفردها العربي يدا بيد مع جيل الرواد  والاسماء اللامعة.
وجدت نفسي أجتر هذه الخواطر في مشوار عقود اربعة وأنا أطالع يوم الاثنين ٢٨ مارس الماضي مقال استاذنا صلاح منتصر والذي وضع فيه رأيا قانونيا يفند مسألة حبس الصحفيين بين الدستور وقانون العقوبات مشيرا إلي رأي احد القانونيين الذي اكد أن الحبس والغرامة في مجال النشر كما وردت في المادة ٣٠٨ من قانون العقوبات لا تميز بين المشتغلين بالإعلام والصحافة والمواطنين العاديين بمعني أنه إذا كان الدستور في مادته رقم ٧١ استثني جرائم النشر من توقيع العقوبة السالبة للحرية «حبسا أو سجنا» إلا أنها اضافت: أما الجرائم المتعلقة بالتحريض علي العنف او التمييز بين المواطنين أو بالطعن في اعراض الافراد فيحددها القانون.. أي قانون العقوبات.. والمحامي الشاطر اللي يدفع أن الطعن في العرض قضية نشر وتنطبق عليها المادة ٧١ من الدستور ولاينطبق عليها قانون العقوبات وللقضاء أن يأخذ بدفوع المحامي فيحكم طبقا للدستور وألا يأخذ بالدفوع فيحكم بالحبس طبقا لقانون العقوبات.
إيه رأيك نطبق علي اللي بالي بالك الدستور ولا القانون؟

شاهد أيضاً

«راح ولي الأمر في شربة ميه» .. بقلم : شكرى رشدى

في أول يوم للدراسة توجه ولي الأمر بصحبة ابنته »روان« لتوصيلها لمدرسة روض الفرج الإعدادية ...