اليوم الأربعاء 18 أكتوبر 2017 - 5:44 صباحًا
الرئيسية / مقالات / صحوة ضمير بعد فقدان 1000 مليار دولار! .. بقلم : علي الكاش – مفكر وكاتب عراقي

صحوة ضمير بعد فقدان 1000 مليار دولار! .. بقلم : علي الكاش – مفكر وكاتب عراقي

01-03_22-45-20يقول توفيق الحكيم” ليس العقل ما يميز الإنسان عن الحيوان ، بل هو الضمير”.

عندما يقول إنسان لآخر بأنه قاسي القلب او متحجر العقل أو مغلق التفكير فالأمر يتعلق بأعضاء بشرية كالعقل والقلب، ولكن عندما يقال للمرء أنه معدوم الضمير او ميت الضمير، فإن وقع العبارة يكون اشد مما سبقه، مع أن الضمير ليس عضوا من جسم الإنسان، بل هو حالة معنوية أو نفسية توخز البشر عند إرتكابهم المعاصي مع الله او الناس عموما. الضمير حالة لا يمكن إدراكها من قبل كل الناس وإنما البعض منهم. إنها نتيجة إيجابية ومتأخرة تتبع إرتكاب الخطايا والآثام والشرور التي يصعب على الإنسان بادي ذي بدء ان يكبح جماحها، لكنها تقضي مضاجعه بعد ذلك وتحول احلامه إلى كوابيس تبقى مرافقة له لحين إتخاذه موقفا إيجابيا تجاه ضحيته إن كانت على قيد الحياة، او من ينوب عنها، او يكفر عن ذنبه بطريقة أو أخرى.

يرتبط الضمير بمتلازمة هي صحوة الضمير، وهذه الصحوة تفترض مسبقا ان يكون الضمير في حالة نوم وإسترخاء ليصحو منها، وفي الوقت الذي يقتصر فيه نوم البشر على ساعات محدودة ليصحوا بعدها، فأن صحوة الضمير قد تتأخر لشهور وسنوات، وربما يبقى الضمير نائما ولا يصحو البتة. ومشكلة الضمير إنه غير قابل للتصنيع والزراعة والإستعارة، لقد تمكن الطب الحديث من زراعة الأعضاء البشرية، وطفرت صناعة الأعضاء والأطراف البشرية قفزات عالية، ولكن لم يتوصل العلم الحديث الى إكتشاف كينونة الضمير الإنساني ولغزه. قد يكون الضمير أحادي الجانب او جمعي، فالجرائم والآثام البشرية الفردية تتطلب صحوة ضمير المجرم او الآثم فقط. لكن عندما يكون الحديث عن صحوة الوطن او الأمة يكون الضمير جمعي. الحالة الأولى يكاد تأثيرها يكون محدودا، والحالة الثانية لها تداعيات خطيرة على حاضر الأمة ومستقبلها.

العراق الموحل بديمقراطية المحتل، نقل أوساخه الديمقراطية الى العالم كله، ودول الجوار بدلا من مساعدته على تنظيف أردانه، زادت الطين بلة. وكان من الطبيعي أن تزكمها رائحة النتانة والأوساخ التي أدركتها لكن بعد فوات الأوان. لقد حمل المحتل الأمريكي جميع الفايروسات الخبيثة معه الى العراق، وكانت أشد الفيروسات فتكا، الطقيليات المحسوبة على العراق والتي كانت ملتصقة ببساطيل قوات الإحتلال. كما قام نظام الملالي الذي لم يكلٌ ويملٌ من نزعته الإنتقامية من العراق بعد أن جرعت آياته العظمى كؤوس السم الزعاف، بإرسال حفنة من الجراثيم الطائفية التي أتلفت النسيج العراقي المتين، وصار من المتعذر إن لم نقل المحال إصلاحه. فالدم لا يُمحى الا بالدم، والإنتقام سيتبعه إنتقام، والثأر يتطلب ثأرا مقابلا، وهكذا سيستمر العراقيون في منهجهم الدموي حتى يشبع نظام الملالي من الدم العراقي، هذا ان شبع الذئب من دماء ضحاياه!

أنظروا من يقاتل في العراق وسوريا ولبنان واليمن، إنهم العرب بإمرة أمعة من المستشارين الإيرانيين، يتقاتل العرب فيما بينهم من أجل إيران، فيما يضحك المستشارون على عقولنا البليدة، وإذا حسبت نسبة القتلى من الإيرانيين مقارنة بعدد القتلى من العرب فإن هذه النسبة لا تصل الى واحد من الألف! إنها رياح الجهل والتخلف والطائفية العمياء والعصبية القبلية التي جاءت الى العراق قادمة من الشرق والغرب على حد سواء. ريح صفراء دمرت العراق وطنا وشعبا، حاضرا ومستقبلا.

متفائل جدا من يظن ان العراق سيعود عراق المحبة والأخاء والتسامح والرقي، ويخطأ من يظن ان الوطنية ستسمو على الدين والمذهب والجنس والعنصر في ظل الوجودين الأمريكي والإيراني. مصدر هذا الرأي ليست نزعة التشاؤم، وإنما منطق الحقيقية والواقع المزري الذي يعيش فيه العراق.

ظن البعض ان التظاهرات الإصلاحية والإعتصامات التي قام بها الصدريون ومجلس النواب ستكون لها ردود فعل إيجابية لتغيير خارطة الفساد، ومنبع هذه الفكرة أما الجهل الأعمى، أو التفاءل الساذج، وكلاهما مصيبة! لا نعرف متى يستفيق العراقيون من نومهم ويدركوا حقيقة الأشياء؟ يقال ان الأحمق هو مَن يلدغ من جحر واحد مرتين، مع هذا يُلدغ العراقيون كل يوم من نفس الجحر ولا عبرة ولا إتعاظ! عندما قام مقتدى الصدر بإعتصامه المسرحي على قاعة المنطقة الخضراء، إنطلت اللعبة على البعض وتناسوا بسبب حماقتهم او جهلهم او حبهم المفرط للصدر من هو مقتدى الصدر؟ وما هي مواقفه السابقة؟ بل تناسوا بأن هذا الصدر هو جزء من العملية السياسية القذرة، وله تمثيل كبير في البرلمان والوزارات سيما الخدمية منها، وإنه جزء لا يستهان به من الفساد المستشري في كل مفاصل الدولة. كما تناسوا ان هذا الصدر الذي بدأ حاليا بكيل الإتهامات للمالكي هو الذي وقف معه طوال مدة حكمه مساندا ومؤيدا، وحتى عندما نكلٌ المالكي بالصدريين في البصرة فيما سُمي حينها (صولة الفرسان) لم يتخذ الصدر موقفا مشرفا ضد غريمه المالكي، وتناسى تضحيات أتباعه من أجل عيون الوغد.

تناسوا مهلة الصدر للمالكي لإصلاح نفسه، فلم يًصلح ولم يُصلح، وإنتهت المسرحية بتقديم الصدر شكر للمالكي! نفس المسرحية تكررت مع حيدر العبادي الذي رفض قائمة الصدر، وقدم قائمتين كانت الأخيرة منهما وفق المحاصصة الطائفية والعنصرية التي رفضها الصدر إبتداءا وأقام إعتصامه من أجل رفض المحاصصة وإنهاء الفساد! لم يحقق العبادي أي شيء من الإصلاحات ولم يبدِ نية حقيقية للإصلاح، مع هذا إنهى الصدر إعتصامه بنفس السخافة التي بدأ فيه. الكارثة إنه مدح العبادي على شجاعته ـ لا نفهم أية شجاعة هذه ـ وشكره على سعيه ـ ولا نعرف للعبادي سعي يُشكر عليه ـ أيضا! بلا شك أن المالكي هو من إبتكر فنون الفساد، والبرلمان هو من شرع الفساد، والعبادي سار على نفس الطريق الأعوج، لأن عليه ملفات فساد كباقي الشراذم البشرية الحاكمة، وإلا كيف يُفسر تقاعسه خلال سنتين من حكمه عن تقديم أي من الفاسدين إلى العدالة؟ مع هذا يبدو أن هذا المقتدى لا يتعظ من زلاته المتكررة! فقد دعا أنصاره في 12/4/ 2016 إلى الإعتصام لحين تشكيل وزارة التكنوقراط، وكالعادة تراجع عم موقفه وطلب يوم 2/4 من نوابه المعتصمين الإنسحاب قبل تشكيل حكومة النكتوقراط! إنه لعب على الحبال لا أكثر!

نفس مسرحية الإعتصام الصدرية كررها مجموعة من النواب على مسرح البرلمان، هؤلاء المعتصمون هم أنفسهم بناة العملية السياسية الهشة، وتكررت أسماء غالبيتهم في الدورات البرلمانية السابقة، وهم الذين تنخوا لنوري المالكي فإمتطاهم كالحمير، وجعل من البرلمان كله جحشا لحكومته الفاسدة. بل إنه رفض حتى إستضافته الناعمة من قبل ما يسمى بممثلي الشعب وما هم بممثليه. لقد كان مجلس النواب خلال الدورات السابقة خاتما بيد المالكي، ويبدو إن بعض النواب إستفاق مؤخرا من نومه فتجرأ على العبادي المعروف بتردده وجبنه وتلونه، في حين لم يجرأ أي من النواب على الوقوف بوجه المالكي بعد أن أفلس العراق وذهب (1000) مليار دولار في مهب الريح.

نقول لا خير في إستفاقة ثمنها مقتل مئات الآلاف من العراقيين الأبرياء، ولا خير في إستفاقة بعد إفلاس خزينة الدولة، وتبديد ثروات البلد، وإنتشار الفساد والجهل والأمية والبطالة والجوع والمخدرات والرشاوي والتزوير. إستفاقة بليدة تأخرت عن موعدها عقد من الزمن، وبعد خراب البلد، هذا إذا كانت إستفاقة حقيقية، وهي موضوع شك لحد الآن!

صحيح إن رئيس البرلمان عليل الجبوري هو واحد من كبار جحوش أهل السنة، وإمتطائه من قبل أي راكب يُسعد الجماهير التي إنتخبته، سيما أهل المقدادية وهي دائرته الإنتخابية، حيث وقف بكل خسة ونذالة متفرجا على حمامات الدماء التي برع فيها أبناء الحشد الشعبي المقدس، دون أن يسمح له الحشد بزيارة المنطقة المنكوبة، فعاد خائبا يجر أذيال الخزي والعار ورائه. قيل لعبد الله بن الحسن: إنّ فلانا غيّرته الولاية. قال: من ولي ولاية يراها أكبر منه تغيّر لها، ومن ولي ولاية يرى نفسه أكبر منها لم يتغيّر لها.

نعم رئيس البرلمان لا يستحق ان يعمل فراشا في البرلمان، المنصب أكبر منه بكثير، وهو يمثل حزبه ولا يمثل أهل السنة ومواقفه السلبية تجاههم أبرز دليل على تجحشه. نسأل بدورنا: يا ترى كم من أهل السنة يؤيد ما يسمى بالحزب الإسلامي؟ هل لهذا الحزب العميل أصلا قاعدة جماهيرية في العراق؟ إنه مثل حزب الدعوة الإسلامية تماما، صارت له شعبية محدودة من الإنتهازيين والنفعيين والسذج بعد أن حلت قيادته العميلة في العراق مع الغزو. لكن هل إقالة هذا الجحش سيتبعها إنتخاب جحش آخر؟ الأسماء المطروحة على المشهد النيابي بالنسبة لرئيس مجلس النواب ونوابه لا خير يُرتجى منها، إنها تؤكد بأن الإختيار القادم إن حصل، سيكون من نفس جحوش الحظيرة. يعني بالإختصار العملية كلها ضحك على الذقون. ومن يترجى من هذه الإعتصامات أملا نقول له: إتقِ الله! ونقول لأنفسنا: لا حول ولا قوة إلا بالله!

 

علي الكاش

شاهد أيضاً

«راح ولي الأمر في شربة ميه» .. بقلم : شكرى رشدى

في أول يوم للدراسة توجه ولي الأمر بصحبة ابنته »روان« لتوصيلها لمدرسة روض الفرج الإعدادية ...