اليوم الإثنين 11 ديسمبر 2017 - 7:08 مساءً
الرئيسية / مقالات / مريض نفسي .. بقلم محمد درويش

مريض نفسي .. بقلم محمد درويش

drwesh

أري عكس المثل لأن مصيبة الدين لن يتحمل وزرها وتبعاتها الا صاحبها، أما مصيبة العقل فيدفع ثمنها -ربما- شخص برئ ساقه قدره إلي من فقد عقله فأجهز عليه، وحتي الدية لايستطيع أهله المطالبة بها!

انتحي الأب جانبا بشقيقته يتداولان في أمر فلذة كبده الشاب اليافع جسدا والذابل نفساً، سمعه الابن وهو يخبر عمته أنه اتفق مع مستشفي نفسي لايداعه بها بعد أن تفاقمت حالته وأصبح قليل الحليلة في التعامل معه.
انتفض الابن بشدة معترضا علي قرار أبيه رافضا موضوع المستشفي من أساسه، تطور الخلاف إلي شجار ارتفعت فيه الاصوت، صوت الابن المرفوع عنه القلم اذاكان ما أصابه مس من الجنون وصوت الأب الذي أوشك صبره علي الابتلاء أن ينفد ولم يستطع أن يمارس اسلوب المحايلة وأن «يداوي» الابن كما اعتاد وأصر  علي أنه سيدخله المستشفي غصبا عنه ولا حل آخر لديه، توجه الشاب إلي المطبخ وحمل السكين ليرفعه علي الرجل.. علي أبيه.. وكانت النتيجة مصرع الاب علي يد الابن وإصابة العمة التي حاولت إنقاذ أخيها من بين يدّي ابنه.
هذا الخبر الذي تداولته الصحف والمواقع الاخبارية منذ أيام قلائل حدث في مدينة بورسعيد ولم يشر الخبر إلي اذا ما كان قد تم احالة المتهم إلي مستشفي الامراض العقلية أم تم حبسه فقط أربعة أيام علي ذمة التحقيق.
يذكرني الخبر بما تتداوله الصحف يوميا والمواقع كل ساعة عن حوادث اغتصاب وقتل وأخفها فرض سيطرة وبلطجة والجملة الخالدة في هذه النوعية من الأخبار وهي: وقد تبين أن المتهم مسجل خطر.. عليه قضية.. وهارب من.. حكما ومصنف تبعا لنشاطه الاجرامي.
هذه المرة كثرت حوادث المرضي النفسيين والذين لايتحملون دية من أصابوه قتلا أو جرحا، فهذا مريض نفسي قتل أمه،  وآخر دخل علي رجل في دكانه وقتله بضربه بحجر علي رأسه وثالث ورابع.. واصبحت جرائم المرضي النفسيين تنافس جرائم المسجلين خطر في تداعياتها وآثارها.. الفارق الوحيد أن الأول يهرب بفعلته إلي خلف أسوار المستشفي النفسي والآخر يزج به خلف أسوار السجن.
ما يرتكبه المرضي النفسيون يقودنا إلي ضرورة فتح هذا الملف المسكوت عنه في مجتمعنا كما هو مسكوت عن ظواهر أخري عديدة، البداية لماذا رفض الشاب دخول المستشفي وهل له تجربة سابقة تجعل مجرد ذكر اسمها يجهز علي البقية الباقية من خلاياه الدماغية، وهل الوالد كان قادرا علي أن يلحقه بمستشفي نفسي خاص أم انه لجأ إلي مستشفي حكومي حيث هناك من العاملين الذين ينطبق عليهم المثل القائل فاقد الشيء لا يعطيه، كيف بالله عليكم نلحق هؤلاء العاملين بالمستشفيات الحكومية بجداول مرتباتهم التي لاتغني ولاتسمن من جوع ونطالبهم بأن يتعاملوا مع هذه النوعية التي فقدت عقولها دون إعداد علمي ونفسي ومرتبات مجزية، ألا يكفي ان أهالي هؤلاء يرفضون تلبية نداء المستشفي باستلام ذويهم بعد أن منَّ الله عليهم بالشفاء.
وفي هذا السياق حدث منذ أيام دق جرس تليفون المكتب وجاءني صوت صاحبه ليذكرني بنفسه بعد مرور أكثر من ١٥ عاما علي آخر لقاء عندما جاءني الجريدة وقدّم لي صورة أوراق لمشكلة إرث لا أذكر تفاصيلها ولا أذكر حتي إن كانت نشرت في بريد القراء أم لا، ووجدته بعد أن ذكرني بنفسه يسأل عن أوراقه.
أصابتني الدهشة من سؤاله وإجابته هل تتصور أن احتفظ بصورة أوراق طوال هذه المدة واستطردت لماذا لاتأتي بأوراق جديدة للموضوع الذي لم تحل مشكلته حتي الآن وكانت اجابته مفاجأة صاعقة لي عندما قال انه يحدثني من مستشفي.. للامراض العقلية وهو فيها منذ ١٥ عاما بعدأن تسبب في كارثة عندما تهور في لحظة ما فقد فيها عقله.
هذه اللحظة مستمرة منذ ١٥ عاما رغم أنه يتذكر جيدا انه جاءني واستطاع أن يفكر في الاتصال بأخبار اليوم للوصول اليّ.
وسألته طيب ما أنت كويس وسيد العاقلين من حوارك التليفوني معي، اذن لماذا لم تخرج وكانت اجابته التي لم أفاجأ بها: أهلي رفضوا يستلموني!
ولا أدري إلي من أوجه اللوم.. إلي ميراثنا الثقافي ونظرتنا إلي ان كل من فقد عقله ما هو إلا وباء علينا اجتنابه.
أم نلوم المنظومة العلاجية التي لاتقدم ولاتؤخر في معظم الاحيان في علاج هذه الحالات.
بالطبع لايمكن أن أوجه اللوم إلي القائمين علي أمر العلاج سواء أطباء أو أطقم تمريض.. الله يكون في عونهم، فما يفعلونه للمريض يعجز أهله من أقرب الاقربين له من الوفاء به.
كنت أتمني أن أري من منظمات المجتمع المدني من يضم إلي نشاطه أو يقصره في مساعدة هؤلاء، سواء بالكوادر  المتطوعة المؤهلة للتعامل مع هذه الحالات أو بالأموال التي تنهمر عليهم من كل حدب وصوب، ولا الحكومات والمنظمات الخارجية لاتقدم تبرعاتها إلا لتلك المنظمات التي يقتصر نشاطها علي ملفات الحريات والسجون، نعم أصحاب هذه الملفات في حاجة إليكم ولكن ايضا هناك حقوق لهؤلاء المساكين الذين تجعلهم الامراض العقلية  والنفسية عبئا علي أهلهم وكفي عليهم مصابهم في ذويهم فلنخفف عنهم.
وقديما قالوا مصيبة في العقل ولا مصيبة في الدين علي أساس ان صاحب العقل اذا أصيب في دينه يمكن رده بالفكر والجدل واذا لم ينصع فمآله النار، اما المصيبة في العقل فصاحبها يرُفع عنه القلم ومآله إلي الجنة وكفي بالجنون ابتلاء.
ورغم ذلك اري عكس المثل لأن مصيبة الدين لن يتحمل وزرها وتبعاتها الا صاحبها، أما مصيبة العقل فيدفع ثمنها -ربما- شخص برئ ساقه قدره إلي من فقد عقله فأجهز عليه، وحتي الدية لايستطيع أهله المطالبة بها!

شاهد أيضاً

من خواطرى :  حدادِك يا مصر.. بقلم : منى  حسن

من بُعد سمعت اخبارك يا مصر, ماعرفتش امسك نفسى ودموعى ولاقيتها نازله كأنها شلال مش ...