اليوم الثلاثاء 12 ديسمبر 2017 - 8:28 صباحًا
الرئيسية / مقالات / حكم العشائر في العراق الديمقراطي .. بقلم : علي الكاش – مفكر وكاتب عراقي

حكم العشائر في العراق الديمقراطي .. بقلم : علي الكاش – مفكر وكاتب عراقي

aker21_05-53-33وعظ مالك بن دينار فأبكى أصحابه، ثم افتقد مصحفه، فنظر إلى أصحابه وكلهم يبكي، فقال: ويحكم! كلكم يبكي! فمن أخذ المصحف؟

بلا أدنى شك هناك عدد من الظواهر التي تقوض سيادة الدولة وتقلل من هيبتها داخل الوطن وخارجه، فالتعصب القومي، والتمييز الديني والطائفي، والتمسك بالنزعة العشائرية، والإقليمية الضيقة، جميعها من الصفات التي لا تتوافق مع المعايير الوطنية المعتمدة في البلدان المتحضرة، بل يمكن إعتبار هذه المظاهر واحدة من أهم أسباب التباين بين الدول المتقدمة والمتخلفة. إن العمل النزيه والمخلص، وتقسيم العمل وفق الكفاءات والمهارات الوظيفية، وإعتبار المنصب تكليف وليس تشريف، وسمو الوطنية على عوامل الدين والمذهب والقومية والجنس هي من أبرز عوامل التقدم الحضاري في الأمم.

كانت الأحزاب الحاكمة اليوم في العراق تنتقد النظام السابق خلال فترة المعارضة المأزومة والعمالة للأجنبي لتبنيه العشائرية والمناطقية، سيما خلال الحرب العراقية الإيرانية وما بعدها، حيث صار لرؤساء العشائر صوت مسموع وهيبة داخل الدولة العراقية، وهي حالة شاذة لا تتوافق أصلا مع نظرية الحزب في نبذها، وربما كانت الأخطار المحدقة بالعراق أحد أسبابها، لكن هذه الحجة غير كافية ولا تبرر الهخروج عن مباديء الحزب. سبق أن إنتقد الكاتب الكبير والتربوي الذائع الصيت ساطع الحصري الإقليمية بكل ما تتضمنه من عوامل فرعية كالعشائرية وغيرها، وأثرها السلبي على الوطن وألف كتابا سماه الإقليمية. أما موضوع الطائفية فأن حزب البعث والحق يقال قد تجاوزها قبل وبعد تسلمه الحكم، وقد كتب الكثير من الكتاب الأفاضل عن هذا الموضوع ولا حاجة لتكراره، فأشعة الشمس واضحة لا يحجبها غربال.

عندما سلمت قوات الإحتلال شراذمها من العملاء والجواسيس العراقيين زمام الحكم، كانت مجموعة منهم لا تتجاوز عدد أصابع اليدين معروفين في داخل العراق، والبقية نكرات لا يعرفهم العراقيون، وهذه حقيقة إعترف بها بعض الزعماء الحاليين، لذلك إفتقد هؤلاء أهم صفة سياسية وإنتخابية وهي المقبولية من قبل الشعب العراقي، وأي حزب في العالم لا يمكن أن يَحكم شعب يجهله، ويجهل زعاماته، ولا يوجد تواصل بين الإثنين، بل ان معظمهم وقف في خانة أعداء العراق سيما عبيد ولاية الفقيه. لذا كان لابد من معالجة هذا النقص عبر العزف على ظاهرة الطائفية والعشائرية وبغض العروبة، كتعويض عن المقبولية وإيجاد صوت مقبول لدى الشعب المتخلف. إنهالت الآلاف من المقابلات التلفازية وعشرات الآلاف من المقالات تتحدث عن مظلومية الشيعة والأكراد وبعض العشائر، وأخذ الكثير من الزعماء السياسيين يتحدثون عن الموقف المشين للأنظمة العربية وعدم تعاونهم مع الزعامات العميلة خلال فترة المعارضة، مع ان هذه الأنظمة هي التي هيأت لقوات الإحتلال وهذه الزعمات الأرضية والفرصة لإسقاط النظام الوطني السابق. كما أن العديد من هذه الزعامات إحتضنتها السعودية بعد غزو الكويت وهيأت لهم فرصة الذهاب الى أفضل دول العالم كلاجئين سياسيين.

إستمرت الزعامات الجديدة في العزف على الوتر الطائفي من قبل شيعة السلطة، والوتر القومي من قبل الأكراد، ولم تكن للنزعة العشائرية قوة حينذاك، فالحاكم الأمريكي لا يفهم شيئا عن التأثير العشائري ولا يعترف به أصلا، كان يكفيه تشجيع الطائفية والقومية لتفكيك العراق، وقد وجد في الزعمات التي جاء بها خير معين له لتدمير العراق ونسيجه الإجتماعي. ذكر الكاتب الأمربكي (توماس إي ريكس) بأن السبب في ضياع العراق هو” القادة الشيعة، الذين لطالما تعرضوا للظلم في السابق، حدث بسبب أن الشيعة حصلوا على فرصة جيدة لتولي زمام الأمور بالعراق، لكنهم فشلوا في اغتنامها، كلما واجه قادة العراق قرارا كانوا يختارون الأضيق والذي يعتمد على أسلوب الإقصاء، وبدلا من أن يحاولوا خلق عراق جديد، عادوا إلى الأيام القديمة بل وتحالفوا مع إيران”. ويتساءل الكاتب ما الذي كانوا يتوقعونه بعد ذلك؟ مجيبا” الوضع السيء الذي يعيشه العراق اﻵن هو نتاج طبيعي لما فعله القادة الشيعة”. بالطبع يتحدث الكاتب عن شيعة السلطة، وليس عموم الشيعة الذين ذاقوا الأمرين بسبب زعاماتهم العميلة، وهذا ما يقال عن سنة السلطة من جحوش الحزب الإسلامي الذين أمسوا ذئابا مسعورة مسلطة على أهل السنة.

وبدأت تظهر يوما بعد آخر في الأفق ظاهرة العشائرية المقيتة، صحيح إن الظاهرة ليست جديدة، كما ذكرنا لكنها لم تكن بتلك القوة والعنجهية والجسارة والخروج عن الضوابط الوطنية والأخلاقية، سيما عندما تولى نوري المالكي زمام السلطة، حيث إلتف حوله رؤساء العشائر وإستمرت نغمة الهتافات والأهازيج والرقصات بحضرة مختار العصر، كانت هذه الإرهاصات الإعلامية مدفوعة الثمن. لقد أمسى شيوخ العشائر قوة إنتهازية ووصولية لا يمكن تجاهلها، سيما إنهم حصنوا أنفسهم بأسلحة ثقيلة ومتوسطة وخفيفة، وهذا ما يمكن ملاحظته في النزاعات العشائرية سيما في جنوب العراق، حيث تُستحدم المدافع والهاونات والمدرعات والرشاشات الثقيلة وصواريخ مضادة للدروع، لا ينقصهم سوى سلاح الطيران!

إمتد نفوذ العشائر لحماية المسؤولين الفاسدين من العشيرة، وهذه حالة نادرة في تأريخ عشائر العراق فالمعروف ان العشائر الأصيلة تتبرأ من الفاسدين والفاجرين واللصوص، وتعلن ذلك على الملأ، وليس إحتضان الفاسدين والدفاع عنهم. وهذا يعني ان الفساد إنتشر في العشائر نفسها، كل عشيرة تهدد وتتوعد إذا مس المسؤول المنتسب لها بأي ضرر، بل وحتى مجرد إتهامه بالفساد. وصار الشيوخ في حركات مكوكية بسبب حالات الفصل العشائري، وإغتنوا غناءا فاحشا على حساب ضحاياهم المساكين أو إنتهازيتهم. بل وصلت السفاهة والرعونية الى مقاضاة الأطباء عشائريا إذا مات المريض سواء كان موته بإرادة الله تعالى، أو بسبب الإهمال الطبي، فأفرغوا العراق من كوادره الطبية، وإستوردت الحكومة أطباء وممرضات من الهند.

العشائر الحاكمة اليوم معروفة للعيان، عشائر محدودة مهيمنه على المشهد السياسي سواء في الحكومة أو البرلمان. ولو أجرينا محاصصة عشائرية للبرلمان مثلا، لعرفنا ان المحاصصة ليست طائفية وشوفينية فحسب بل هي عشائرية أيضا.

وسوف نستعرض واحدة من المهازل العشائرية في العراق الديمقراطي الجديد، ليعرف المواطن العراقي والعربي الضحالة والجهل والحماقة التي وصل لها العراق. وكي يسد المدافعون عن الديمقراطية الجديدة أفواهم بالمداسات العتيقة.

قال رئيس مجلس المحافظة وكالة عمر الكروي، في مؤتمر صحافي عقده حال رفع الجلسة في 25/4/2016 إنّ “المحافظ مثنى التميمي انسحب من جلسة الاستجواب، وقرّر مجلس المحافظة تأجيل الجلسة”. من جهته، أوضح عضو في مجلس المحافظة، أنّ ” التميمي ترك الجلسة وغادر بعد أن وجهت له اتهامات بالتقصير بإدارة الملف الأمني”.  وإنّ “عشيرة التميمي ومليشيا بدر طوقت مجلس المحافظة خلال الجلسة وهدّدت في حالة إقالته على خلفية التقصير الأمني”، مبينا أنّ “المحافظ تقوّى بعشيرته ولم يخضع للاستجواب وهدد أعضاء المجلس بـ”نهاية غير مريحة، قبل أن يطلق عبارة : أنا القانون يعجبكم أو ما يعجبكم”. طبعا رئيسا الحكومة والبرلمان ورئيس السلطة القضائية لا علاقة لهم بهذا التحدي الصارخ.

وليت الأمر إنتهى عند هذا الحد، فقد تعرّض إثنان من أعضاء مجلس المحافظة لهجوم بتفجير عبوة ناسفة حال خروجهما من الجلسة”! ويضيف المصدر” طوقت المليشيات وعشيرة المحافظ (بنو تميم) مبنى مجلس المحافظة، وحاولت منع الاستجواب. وكانت عشيرة المحافظ قد منعت جلسة استجوابه منذ نحو شهر أيضا، ووجهت تهديدات إلى أعضاء مجلس المحافظة، كما هدّدت بحل المجلس في حال مضى بالاستجواب”. وقالت عضو مجلس محافظة ديالى نجاة الطائي” ان استجواب المحافظ سيتضمن خمسين سؤالاً تتعلق بقضايا هدر المال العام وسوء الادارة والتعيينات غير القانونية، اضافة الى التدهور الامني. الأنكى منه سقوط اربع قذائف هاون تميمية الصنع على مبنى المجلس، كما عُثر على سيارة مفخخة قرب مبنى محافظة ديالى قبيل عقد الجلسة المقررة لاستجواب المحافظ .

فعلا عشائر الزمن الساقط!

شاهد أيضاً

من خواطرى :  حدادِك يا مصر.. بقلم : منى  حسن

من بُعد سمعت اخبارك يا مصر, ماعرفتش امسك نفسى ودموعى ولاقيتها نازله كأنها شلال مش ...