اليوم الأربعاء 22 نوفمبر 2017 - 11:13 صباحًا
الرئيسية / مقالات / آليات الديمقراطية فى مواجهة الفساد بالبرازيل .. بقلم : حسن الهامى

آليات الديمقراطية فى مواجهة الفساد بالبرازيل .. بقلم : حسن الهامى

akhbarak24_2016-08-14_09-35-15

بينما تتبوأ البرازيل مكانة أقتصادية مرموقة بين دول العالم، حيث تحتل المركز السابع على قائمة أكبر اقتصاديات العالم، الا أنها تقع فى مركز متأخر للغاية من حيث النزاهة والشفافية حيث تأتى فى الترتيب السادس والسبعين، ومن المفارقات أن مثيل موقفها هذا هو الصين التى تتبوأ المركز الأول اقتصاداً لكنها تأتى فى الترتيب المائة من حيث النزاهه والشفافية ، وما يثير التساؤل ان موقف آليات الفساد متماثلة تقريباً فى الدولتين وذلك رغم أن البرازيل ديمقراطية والصين شمولية ؟

لقد مرت البرازيل على مدار تاريخها الحديث منذ أعلان الجمهورية عام 1889 بخمسة جمهوريات وآخرها فترة الحكم العسكرى (1964 – 1985) ثم الجمهورية الجديدة الحالية منذ عام 1985، لقد استمرت ديكتاتورية الحكم العسكرى لمدة 21 عاما لكن تمثل العشر السنوات الاخيرة منها مرحلة تحول نحو الحكم المدنى الديمقراطى.

وتعاقب منذ عام 1985 سبعة رؤساء مدنيين، وكان أولهم “جوزيه سارنى” وآخرهم الرئيس الحالى “ميشال تامر” ويذكر ان كلاهما كان نائباً للرئيس ، ففى عام 1985 قام الكونجرس وممثلى الولايات بأنتخاب الرئيس ونائبه وكلاهما من “حزب الحركة الديمقراطى” حيث أصبح “تانكريدو نيفيز” أول رئيس للجمهورية الجديدة لكنه مرض ولم يستطع تولى السلطة وتولاها نائبه “سارنى” كرئيس مؤقت ومع وفاة “نيفيز” تم أجراء تعديلات دستورية بما يمكن “سارنى” من تولى المنصب الرئيس، وينتمى”ميشال” أيضاً إلى “حزب الحركة الديمقراطى” الذى يمثل يمين الوسط، ويعتبر أحد أهم أقطاب المعارضة ضد الرئيسة السابقة “ديلما روسيف” التى تنتمى الى الحزب العمال اليسارى، وتولى “ميشال” الرئاسة فى مايو 2016 فور عزل “روسيف” على خلفية قضايا الفساد.
وما ركز الاضواء فى العالم على قضايا الفساد فى البرازيل هو مكانتها كعملاق أقتصادى بازغ و تجربتها الديمقراطية الرائدة، لكن ما زاد من حجم التركيز كان تداعيات هذه القضايا التى بلغت الأوج بقرار الكونجرس القاضى بعزل الرئيسة السابقة “روسيف” وهى القضايا التى طالت الرئيس الأسبق “لولا دا سيلفا” كما أتجهت سهامها نحو حكومة الرئيس الحالى ميشال تامر الذى لم يتقلد منصبه الا منذ شهور قليلة، وتتسع لتنال من عدد كبير من المسئولين الحاليين والسابقين، لكن مايثير التعجب هو تبرير “روسيف” حيث قالت: ” أن ما فعلته امرا عاديا قام به الرؤساء السابقين”

ويذكر انه فى عام 2014 كشفت دراسة أن أكثر من 30 مليار دولار من الأموال “القذرة” المرتبطة بالجريمة والفساد والتهرب الضريبي تتدفق خارج البرازيل كل عام، ويمثل هذا الرقم ضعف ما كان يتدفق خارج البلاد منذ عقد مضى. وذكرت منظمة النزاهة المالية العالمية التي تتخذ من نيويورك مقرا لها إن سوء تسعير السلع المتداولة هو الطريق الرئيسي غير الشرعي الذي تغادر عبره الأموال المهربة البرازيل منذ عام 1960 وحتى 2012.

وتقدر الخسائر السنوية بما يعادل 1.5 بالمئة من الناتج الاقتصادي للبلاد، وقدر معدل هذه الخسائر عند 33.7 مليار دولار سنويا في الفترة ما بين 2010  و2012  ارتفاعا من 14.7 مليار دولار في العقد الأول من القرن الحادي والعشرين. وتقول المنظمة إن الخسائر يحتمل أن تكون أكبر من ذلك لأن تقديرات المنظمة لا تشتمل على تجارة تهريب النقد الضخم، وهو طريقة مفضلة لدى مهربي المخدرات والمجرمين الآخرين، في هيئة خدمات أو تحويلات مالية بين أذرع المؤسسات المتعددة الجنسيات، هذا الفساد فى ظل تراجع فى معدل النمو الاقتصادى مما جعل البرازيل على حافة الانكماش حيث قفز التضخم الى 7.7 % ومع زيادة حجم عجز الحسابات العامة، مصحوباً بتدهور سعر صرف العملة المحلية (الريال) بواقع 30 % خلال 12 شهرا أمام الدولار.

وأبرز قضايا الفساد التى شهدتها البرازيل خلال حكم “حزب العمال” منذ عام 2003 أى خلال فترات رئاسة لولا دا سيلفا وديلما روسيف، كانتا قضيتان وأولهما “فضيحة مينسالو” وهو الاسم الذي أطلق على نظام الفساد في الأموال العامة واستخدامه لكسب الاصوات الحاسمة من بين أعضاء الكونجرس لدعم قرارات الحكومة ، وهى الفضيحة التى اندلعت للمرة الاولى عام 2005، وأنتهت المحكمة العليا فى عام 2012 إلى ادانه 25 من السياسيين والمصرفيين ورجال الأعمال وبعضهم من كبار منتسبى حزب العمال الحاكم.

بينما القضية الثانية وهى ما أطلق عليه” عملية غسيل السيارة” والمعروفة اعلاميا باسم “لافا جاتو” وهى قضية تتعلق بتبيض اموال فاسدة، وقبول رشاوى مقابل تضخيم قيمة تعاقدات حكومية ، وتم اكتشاف هذه القضية عام 2014 وعلى رأس المتهمين رؤساء ومدراء شركة بتروبراس وهى شركة بترول مملوكة للدولة وكانت قد حصلت عام 2008 على درع النزاهه ، لكن يبدو ان ذلك كان ستارا حيث عصفت بها أضخم عملية فساد فى تاريخ البرازيل.

وكان يدفع جزء من عمولات الفساد لشخصيات سياسية معظمها من اعضاء البرلمان فى تحالف يسار الوسط الحاكم. ويشتبه بتورط حوالى 35 برلمانيا واثنين من حكام الولايات في هذه القضية. وقد خسرت “بتروبراس” من عمليات الاحتيال هذه اكثر من ملياري دولار، وتم تمويل الحملات الانتخابية لحزب حزب العمال الحاكم من خلال تلك الرشاوى، وبلغ حجم التعاملات فى هذه القضية 14.5 مليار ريال (3.6 مليار دولار).

وعلى خلفية الفساد المستشرى وأفتقاد الشفافية، قام مجلس الشيوخ باقالة “روسيف” التى تولت الرئاسة عام 2011 ثم اعيد أنتخابها لفترة ثانية فى اكتوبر 2014 ، لكن لاتعد روسيف أول رئيس برازيلى يواجه العزل، فقد سبقها الرئيس فرديناد كولر (1990- 1992 ) وكانت روسيف قد فازت بفترة الولاية الثانية بفارق ضئيل ثم شهدت شعبيتها تراجعا بما يعكس خيبة أمل الناخبين جراء ارتفاع التضخم وتفجر فضيحة الفساد في بتروبراس وفى آخر استطلاعات للرأى قبيل أقالتها لم تكن تحظى بتأييد سوى 13% من الناخبين.

واستند قرار عزل روسيف على ماقامت به من تلاعب فى حسابات مالية لإخفاء عجز حكومى متزايد قبل إعادة انتخابها ، وعدم مصارحة البرلمان بهذه الحقائق المالية، وقد بررت روسيف ذلك بأن ما قامت به امرا شائع بين الرؤساء، واتهمت المعارضة بأنها تهدف الى احداث انقلاب ضدها وازاحة حزب العمال من الحكم والحيلولة دون ترشح الرئيس الاسبق لولا انتخابات 2018. و قام “لولا” بقيادة مظاهرات حاشدة دعما لموقف روسيف وذلك على غرار محاولة الرئيس كولور لاستمالة الرأى العام عبر التليفزيون عام 1992 وقد اتى خطابه بنتائج عكسية حيث نزلت مظاهرات تنادى باقالته، أما لولا فقد استخدم للحشد حسابه على الفيس بوك، لكن هذا وذاك لم يحولا دون قرار الاقالة أو العزل.

وكان كشف تلاعب روسيف فى ميزانية البلاد ما أدى الى تظاهرات واستفحلت وتوالت الاتهامات لتشمل روسيف ورؤساء سابقين وعدد كبير من السياسيين ومن بينهم الرئيس الأسبق جوزيه سارنى (1985- 1990) وهو رجل الاعمال وعضو مجلس الشيوخ والذى ترأس مجلس الشيوخ ثلاث دورات ، لكن صحيفته لم تخلو من اتهامات بالفساد والمحسوبية والضلوع فى جريمة فساد “عملية غسيل السيارة” حيث وجهت اليه اتهامات انه نال 18.5 مليون ريال (2 مليون دولار) رشوة خلال فترة توليه رئاسة شركة بتروبراس 2003 – 2015.

وكذلك الرئيس الاسبق “فرناندو كولور” (1990- 1992) الذي كان قد استقال عام 1992 قبيل أقالته بتهمة الفساد وهو أول رئيس مدنى ينتخب انتخابا مباشرا، ويذكر ان شقيقه “بيدرو كولور” كان وراء اتهامه واقالته نظرا لحصوله على امتيازات مالية بطريقة غير مشروعة. ويذكر ان المحكمة العليا قد برأت ساحة كولور فيما بعد سنتين من استقالته، لكن عادت الاتهامات لتطاوله فى فضيحة غسيل السيارات.

كما أحيل الرئيس الأسبق لولا دا سيلفا إلى المحاكمة بتهم فساد وتبييض أموال وذلك بأعتباره “على رأس” شبكة الاختلاسات في إطار فضيحة مجموعة بتروبراس، وبحسب النيابة العامة فإن “لولا كان على رأس الهرم ومن دون سلطته في اتخاذ القرار لكان تشكيل شبكة الفساد هذه مستحيلا”، مؤكدة أن شبكة الفساد لم تقتصر على بتروبراس بل امتدت لتشمل كلا من فرعها “ايليتروبراس” ووزارتي التخطيط والصحة وبنك “كايشا ايكونوميكا” الحكومي للادخار وهيئات حكومية أخرى على الأرجح. وأكدت النيابة العامة أن هذه “أضخم فضيحة فساد في تاريخ البرازيل” وأن الرئيس السابق حصل خلالها من مجموعة الأشغال العامة “او آ اس” على رشى بلغت3,7  مليون ريال برازيلي(1.1 مليون دولار) كما حصل بحسب المدعي العام، على انتفاعات عينية أخرى مثل أعمال ترميم شقة. وكانت روسيف قد حاولت حماية الرئيس الاسبق لولا دا سيلفا بتعينه رئيس ديوان فى حكومتها بما يحول دون الملاحقة القانونية الا أن المحكمة العليا الاتحادية البرازيلية قد حالت دون ذلك.

يذكر انه خلال فترة ما قبل عزل روسيف؛ اشارت استطلاعات الرأى العام ان نحو 62% من البرازيليين كانوا يطالبون بالإسراع في تنظيم انتخابات رئاسية مبكرة لاستبدال كل من “روسيف” و”تامر” معاً، وأن 8% فقط من العينة توافق على أن يستكمل “تامر” الفترة المتبقية من ولاية “روسيف” وبعدما تولى “ميشال” رئاسة البرازيل خلفا لديلما روسيف، تعهد ميشال باستئصال الفساد في البلاد، غير أن عددا من الشخصيات الأساسية في حكومته وقعت في قلب فضائح فساد بشركة بتروبراس. مما اضطر وزيرا التخطيط والنزاهة في الحكومة الجديدة، على الانسحاب خلال فترة تقل عن ثلاثة أسابيع منذ شروع الحكومة في عملها بسبب تورطهما في فضائح الفساد والاختلاس في شركة “بتروبراس”.

ويذكر أن ميشال هو من لعب دورا أساسيا في تنظيم عزل الرئيسة البرازيلية من منصبها، غير أن “ميشال” نفسه يحظى الآن بتأييد أقل من روسيف حيث أعرب 2 بالمئة من مواطني البرازيل عن استعدادهم لتأييده . وبين الشخصيات المقربة من تامر الذين أحضرهم إلى السلطة وزير التخطيط والميزانية والإدارة ويده اليمنى، روميرو جوكا، الذى وجد نفسه في بؤرة فضيحة الفساد بعدما تم تسريب مقتطفات من حديث هاتفي أجراه جوكا مع رئيس سابق لأكبر شركات نقل النفط البرازيلية” ترانس بترو” وأصر الوزير في الحديث على وقف التحقيق في الفساد في شركة بتروبراس، مما اضطر جوكا بعد 10 أيام من توليه حقيبة وزارية إلى الإعلان عن استقالته والخضوع للتحقيق.

وحليف آخر لتامر ، فابيانو سيلفيرا، عُين رئيسا لوزارة النزاهة والمراقبة والرصد التي أنشئت خصيصا لدعم عمل الهيئات المكلفة بمكافحة الفساد في البلاد. غير أن سيلفيرا هو الآخر سقط من منصبه تحت ضغط الاتهامات بمحاولة عرقلة سير عملية التحقيق في الفساد بشركة “بتروبراس”. كما تم عزل رئيس مجلس النواب، ادواردو كونيا، عن منصبه وهو السياسي الذي كان من مطلقي عملية عزل الرئيسة روسيف بسبب اتهامه بتلقي رشاوى قيمتها 40 مليون دولار. وأصبح فالدير مارانياو، الذي حل محل كونيا، عرضة أيضا للاتهامات نفسها أي المشاركة في عمليات الفساد المتعلقة بشركة “بتروبراس”.

وتمثل البرازيل خلال فترة الثلاثين عاما الماضية، نموذج للنجاح الأقتصادى والديمقراطى لكن هذا النجاح لم يحول دون أن يكون خمس شعبها مازال تحت خط الفقر، ولم يحول دون استشراء الفساد الذى لم يستثنى قطاعا دون آخر بل بلغ مداه باتهامات فساد لمعظم من تولى الرئاسة وقد تم اقالة رئيس وعزل رئيس آخر من بين سبعة رؤساء. ليست قضية الفساد تتعلق بنظام الحكم فهى موجودة بالصين الشمولية والبرازيل الديمقراطية، بل هى نتيجة أفتقاد أخلاقيات الحكم الرشيد فى الافصاح والشفافية وسيادة القانون لتشمل الجميع من الخفير إلى الوزير!

 

شاهد أيضاً

من خواطرى : كلام شباب .. بقلم: منى حسن

كنت قاعدة مع مجموعة شباب يعني فى حوالى تلاتينات .. عشرينات … كان واحد منهم, ...