الرئيسية / مقالات / التراث الأخلاقى لكونفوشيوس حكيم الصين .. بقلم : حسن الهامى

التراث الأخلاقى لكونفوشيوس حكيم الصين .. بقلم : حسن الهامى

تراث الأمم ثروة أما قيمة مادية أو قيمة أخلاقية، وتقدر قيمة الأمم بمدى أعتزازها بقيمة تراثها المادى وأعلائها لقيمه الأخلاقية، وحضارة الصين تحمل تراث إنسانياً عظيماً ومن أعظم معالمه المادية ما يمثله سورها العظيم 2400 كم بدوره التاريخى فى حماية البلاد، أما أجل ماتملكه الصين من قيمة أخلاقية فهو مايمثله تراث الفليسوف والمعلم كونفوشيوس ويطلق عليه “نبى الصين” والذى قدم الأخلاق نهجاً إنسانياً للحاكم والمحكوم لحماية المجتمع، وتحتفل الصين  فى 28 سبتمبر كل عام بذكرى ميلاد كونفوشيوس والذى مر عليه 2568 عام فى سبتمبر 2017.

عاش كونفوشيوس 72 عاما (551 ق.م – 479 ق.م) وهو أول فيلسوف صينى ينجح فى إقامة مذهب يتضمن كل التقاليد الصينية عن السلوك الاجتماعى والأخلاقى من خلال فلسفته القائمة على القيم الأخلاقية الشخصية، وعلى أن تكون هناك حكومة مركزية فى خدمة الشعب بمنهج ونهج أخلاقى، ويرجع تجذر فلسفة كونفوشيوس فى وعى ولا وعى الصينين إلى سببين؛ أولهما أنه كان صادقاً مخلصاً، وثانيهما أنه شخص معقول ومعتدل وعملى. وهذا يتفق تماماً مع المزاج الصيني، وقد أمتد تأثير فلسفة كونفوشيوس فى الصين وكوريا واليابان وتايوان وفيتنام.

ولد كونفوشيوس طفلاً دميماً ، لكن العظمة لاتقاس بالقبح أو جمال الصورة، بل بعظمة العقل وسمو الروح، وتربى هذا الطفل؛ يتيمًا فى كنف أمه وفى ظل ظروف قاسية. نشأ على إجادة القراءة والكتابة وتعلم الحكمة والتاريخ والفلسفة الصينية، وتوفيت أمه مبكراً، وبدأ فى تأسيس مدرسته الخاصة التي أصبحت فيما بعد مركز جذب كثيرين من أبناء العامة والأثرياء على حد سواء، وكان يدرّس فيها فلسفته التى أدركها بالتأمل والقراءة والتاريخ.
بنيت فلسفة كونفوشيوس على أفكار عملية بسيطة، لكنها كانت ذات قيمة عالية للغاية، إذ ركز فيها على فكرة الالتزام الذاتى وحب الآخرين وتأمل الحياة والطبيعة ليعيش الإنسان في وئام معها ويدرك قيمتها ويسعد بها. كما شدد على أهمية التعليم كأساس للمواطن الصالح أياً كانت طبقته، معتبراً أن التعليم وسيلة الارتقاء الأساسية للإنسان سواء فى الحكم أو إدارة الحياة والأسرة أو أى منحى آخر.

وكان يرى أن من شأن العلم التأسيس لإنسان سوى، وحرص فى تعاليمه على أهمية الرقى بالإنسان كخطوة أولى نحو الرقى بالأسرة، ومنها إلى المجتمع والدولة ككل، ثم العالم أجمع.

وأكد أيضًا على الصفاء الروحي لدى الفرد الذي يستطيع أن يستقيه مما هو حوله من جمال على أن يتفهم هذا العالم المادى من حوله. وركز فى فلسفته السياسية على الفضيلة، إذ كان يرى أن الحاكم لا بد أن يتمتع بالفضيلة ويكون مثالاً للرعية، ويرى أن الحكم الرشيد يكون من خلال نشر الحكمة والفضيلة بدلا من العقاب فالأخلاقيات كانت مركز فلسفته سواء السياسية أو الاجتماعية أو الفردية.
وكان الرجل على قناعة تامة بأن أفضل وسيلة لنشر فلسفته تتأتى من خلال تبوئه منصب مستشاراً أو حاكماً  ،لكن حينما أصبح مستشاراً؛ سرعان ما انتشرت حوله الدسائس مما أضطره إلى النفى الطوعى متجولاً فى غرب الصين لنحو 14 عاماً، نشر خلالها فكره حيثما حل، وحينما تم تعيينه حاكم على مدينة سرعان ما أنتشر بها العدل والأمان والفضيلة، بيد أن النفوس المريضة ظلت من وراء الستار تحرض الحاكم العام عليه حتى عزله، ومن ثم عاد إلى مسقط رأسه وهو فى السابعة والستين من عمره، حيث استأنف نشاطه التعليمى، إلا أنه كان منهكاً، وقرابة وفاته أستشعر أن أفكاره وأرائه قد راحت هباء، وهذا لم يحدث، بل مضت تتجذر فى فكر الصينين.

أثبتت مسيرة حياة كونفوشيوس على أمرين أساسيين أولهما أن التجربة الإنسانية فى الحكمة والفكر غالباً لايدرك قيمتها العامة والخاصة إلا بعد زوال الداعى إليها بزمن وحينما يكون الندم على ما فات، وثانيهما أن تجربة كونفوشيوس قد أكدت أن نشر الحكمة والفضيلة يمكن أن يتحقق دون سلطة سياسية، فسلطة الحكمة الدائمة ستكون على المدى الطويل أقوى وأكثر تأثيرا من سلطة السيف المؤقتة، وهذه سنة الحياة لكل متأمل.

ويوجد مجموعتان أساسيتان من الكتب تمثلان تراث الفكر الكونفوشى، المجموعة الأولى فى خمس كتب نقلاً عن الأقدمين، بينما المجموعة الثانية والتى تمثل فلسفة كونفوشيوس فى أربع كتب وابرزها كتاب ” الحوار” وهو سجل أفكاره وقديما كان يعتبر هذا الكتاب بمثابة كتاباً صينياً مقدساً أسترشادياً لحياة الناس سواء للخاصة أو العامة، سواء كان حاكماً أو محكوماً.

لقد تعرض كونفوشيوس فى حياته لدورات من المآسى، سواء الحصار فى حياته، أو حرق كتاباته بعد مماته، أو أعدام مريديه فى فترات تعاظم المد الشيوعى، وظلت أفكاره طيوراً جميلة حبيسة الاقفاص لفترات تاريخية أما من حكام الصين قديماً خشية سطوة الأخلاق مما يهدد العروش ويضعضع المراكز، أو حكام الصين حديثاً خشية العودة الى رؤية كونفوشيوس الى العصر الذهبى للإنسانية فى الأقدمين.

لكن أستمر تحكم فلسفة كونفوشيوس فى الحياة الصينية قرابة عشرين قرناً وذلك أعتباراً من القرن الأول قبل الميلاد حتى نهاية القرن التاسع عشر بعد الميلاد بأعلان الصين الشيوعية فى عام 1949بزعامة ماوتسى تونج الذى أعتبر الكونفوشيوسية بمثابة رجعية يجب القضاء عليها وتعاظم ذلك التوجه باعلانه الثورة الثقافية عام 1966، ومع وفاة ماو عام 1976 بدأ مكنون الرؤية الكونفوشيوسية فى معاودة الظهور .

وفى عام 2011 قامت الصين بأقامة تمثال ضخم لكونفوشيوس بميدان بوابة السلام السماوى”تيانانمين” بقلب بكين بجوار بورتريه ضخم للزعيم ماو ، أيضاً وعلى خلفية رباعية فلسفة كونفوشيوس (الأخلاق، الإخلاص، الحكمة، والشجاعة) ، وبمبادرات تعاون ثقافى صينى، انتشر فى فى أنحاء العالم نحو 900 معهد ومركز لتناول فلسفة كونفوشيوس ودراسة اللغة الصينية وقد أفتتح ثلاث معاهد لكونفوشيوس بجامعات القاهرة وعين شمس والقاهرة الدولية

لقد طرح كونفوشيوس الآف العبارات الفلسفية الإنسانية الدالة على قيم الأخلاق النبيلة سواء فيما يتعلق بالإنسان أفراداً أو وزراءً وحكاماً ، وربما من أهم محاورها عبارة رئيسية نلك التى عرف فيها الأخلاق قائلا: “الفضيلة هى أن لا ترضى لغيرك ما لا ترضاه لنفسك ، و دعى الإنسان للعلم قائلاً: “سلح عقلك بالعلم خير من أن تزين جسدك بالجواهر.” ، وعرف أهل العلم :”العلم الحقيقى يكون عندما تدرك مدى جهلك” ، وعن دور الإنسان فى الحياة: “إذا فكرت فى معيار زمن قدره سنة فازرع بذرة، وفي معيار زمن قدره عشر سنوات فاغرس شجرة، وفى معيار زمن قدره مائة سنة فعلم الناس” وعرج إلى بلوغ الأهداف : “عندما تدرك عجزك عن الوصول إلى أهدافك لا تغير هذه الأهداف بل عدّل خطواتك» ، وأوصى بطريق أدراك الحكمة: “هناك ثلاث وسائل لتعلم الحكمة: الأولى من خلال التأمل وهى الأنبل، والثانية من خلال التقليد وهى الأسهل، والثالثة بالتجربة وهى الأصعب”.

وقال عن الحياة والموت:”الحياة اننا لم نعرف شيئا حتى الان عن الحياة ، فكيف نعرف عن الموت” ، وعندما سؤال عن نهج للحياة قال : “قد تكون هي التسامح وألا ترضي لغيرك ما لا ترضاه لنفسك” وعن دور الإنسان فى الحياة قال: “ما أشقى الرجل الذي يملأ بطنه بالطعام طوال اليوم ، دون أن يجهد عقله فى شيئ ولا يتواضع في شبابه التواضع الخليق بالأحداث ، ولا يفعل فى رجولته شيئاً خليقاً بأن يأخذه عنه غيره ثم يعيش إلى أرذل العمر.. إن هذا الإنسان وباء.”

وفى السياسة والتى آمل أن يقاربها مستشاراً أو حاكماً ليس من أجل المنصب ذاته بل ليتمكن من نشر وتطبيق فلسفته فى الواقع فقال : “لست أبالى مطلقاً إذا لم أشغل منصباً كبيراً وإنما الذى أعنى به أن أجعل نفسى خليقاً بذلك المنصب الكبير ، وليس يهمني أبداً أن الناس لا يعرفوننى ، ولكننى أعمل على أن أكون خليقاً بأن يعرفنى الناس” ، وقد وصف السياسة : ” إنها الإصلاح، فإذا جعل الحاكم نفسه أسوة حسنة لرعيته، فلن يجرؤ أحد على الفساد. “وفى نظام الحكم قال:” إذا قدت الناس وفق قوانين اجبارية وهددتهم بالعقاب فإنهم سيحاولون اتقاء العقاب، ولكن إذا نظمت شؤونهم فإن علاقتهم ستقوم على أساس من الشرف.”

وقال تحديداً للأدوار الوظيفية :”فليقم الامير بدوره كأمير، والتابع كتابع، وليقم الاب بدوره كأب، والابن كإبن” ، وعن مظهر جودة الحكم :” فى الدولة التى تُحكم بشكل جيد يصبح الفقر شيئًا مخجلاً، وفى الدولة التى تحكم بشكل سيئ يكون الغنى شيئاً مخجلاً” ، وعن دور الدولة قال : “إنها توفير المواد الغذائية، وتوفير المعدات العسكرية، واكتساب ثقة الشعب بالحكومة” ، ولعلاج الفساد “طلب أحد الأمراء من كونفوشيوس النصيحة للحكم الصالح، قائلا: “هل ترى أن أقتل الفاسدين فيلتزم غيرهم الصلاح؟”. فأجابه كونفوشيوس: ” ما الذي يدفع سياسـتك إلى القتل؟ إذا شئت الصلاح أصبح الناس صالحين، لأن أخلاق الرؤساء كالريــح وأخلاق المرؤوسين كالعشب، وإلى أى جهة هبّت الريح مال العشب إلى تلـك الجهة.”

شاهد أيضاً

الجواب الأساسي للغز إيران .. بقلم: هدى مرشدي ـ كاتبة ايرانية

قبل ٥٣ عاما كان هناك عدة شبان مصممين في إيران قرروا تشكيل منظمة كانت في ...