اليوم الأربعاء 18 يوليو 2018 - 6:04 مساءً
الرئيسية / مقالات / الطربوش والبرنيطة .. بقلم : حسن الهامى

الطربوش والبرنيطة .. بقلم : حسن الهامى

يرجع أصل كلمة طربوش إلى الفارسية “سربوش” وتعنى زينة رأس الأمير ثم حرفت إلى “شربوش”، ويختلف على نِشأة الطربوش، مرة يقال أن أصله عثمانى ومرة أخرى يقال انه من المغرب العربى ثم أنتقل إلى الإمبراطورية العثمانية، بينما يرى آخرون أن أصله نمساوى،ويطلق على الطربوش النمساوى اسم “فيز”نسبة إلى مكان صناعته وهى “فيينا” عاصمة النمسا، ثم أطلق عليه أسم “فاس” بما ينسبه الى مدينة “فاس” المغربية وليتماشى مع الثقافة العربية السائدة.

وبدأت مسيرة الطربوش بمصر والشام، فى خلال فترة الحكم العثمانى حيث أصدر السلطان سليمان القانونى (1520– 1566)، عدة فرمانات بتعميم الطربوش كزى بروتوكولى، لكن لم يصل الطربوش بعد الى مصر رغم انها أصبحت ولاية عثمانية منذ عام 1517، بل أن محمد على باشا حينما تولى حكم مصر عام 1805 كان يرتدى العمامة التى كانت لباس الأعيان فى ذلك الوقت.

أما سوريا فقد عرفت الطربوش بتولى السلطان العثمانى محمود الثانى(1808 – 1839) والذى اهتم بلباس رجال دولته ورعيته، وأصدر فرمانا يحدد فيه طول الشارب واللحية وطراز الجبة وعرض أكمامها وأوجب لبس الطربوش كلباس للرأس معترف به رسمياً بل كان أول من لبس الطربوش من سلاطين الدولة العثمانية.
وكان الظهور الأول للطربوش فى مصر، خلال فترة حكم فيها إبراهيم باشا، الابن الأكبر لمحمد على باشا لسوريا (1831 – 1841) وعمم لباس الطربوش بدل العمامة فى الشام، وفى رحلة عودة أبراهيم باشا إلى مصر؛ ارتدى الطربوش، وتبعه محمد على الذى خلع العمامة وارتدى الطربوش المغربى.

وفى إطار مشروع محمد على لتحديث البلاد، قام بأنشاء أول مصنع للطرابيش فى فوة بكفر الشيخ عام 1828، وذلك بهدف تلبية احتياجات الجيش المصرى، وللأستغناء عن استيراده، لكن عندما حطم الغرب الاسطول المصرى فى نفارين عام 1840 التزم محمد على بتفكيك المصانع المصرية بما فى ذلك مصنع الطرابيش.

ثم ظهر فى مصر الطربوش العزيزى نسبة الى السلطان العثمانى عبد العزيز (1861 – 1876) الذى جعله شعارا رسميا للدولة، وشهدت فترة حكمه تطورا فى شكل الطربوش قطراً وطولاً، ويبدو ذلك اذا تعقبنا صور سلطان مصر حسين كامل (1914 – 1917) فى مختلف أدوار حياته، إلى ان استقر فى النهاية على الشكل الذى كان يرتديه اغلبية المصريين فى العصر الاخير للطرابيش .

وفى فترة حكم الخديوى عباس حلمى الثانى (1892 – 1914) اصبح الطربوش الزاما على رجال البلاط، وفى هذه الفترة، كانت بريطانيا قد اعلنت الحماية على مصر عام 1914 بينما رسميا ظلت مصر تابعة للآستانه، وفى عام 1924 سقطت الدولة العثمانية وتولى كمال أتاتورك الحكم للجمهورية التركية، وقام بتوجيه ضربة للطربوش باصداره عام 1925 ما يسمى قانون القيافة “قانون البرنيطة” والذى يمنع فيه ارتداء الطربوش ويحل أرتداء القبعات والبرانيط.

وبين الطربوش والبرنيطة، اشتعلت فى مصر معركة الطربوش على خلفية معركة البحث عن هوية مصر واكتسب الطربوش في هذا المناخ دلالة ” قومية ” وفى هذه اللحظة ظهر السياسى الشاب “أحمد حسين” وهو طالب فى السنة الثانية بكلية الحقوق عام 1931 بطرح مشروع القرش والذى يحث كل مواطن على التبرع بقرش صاغ واحد ليبنى

بالحصيلة مصنع للطرابيش. وتبنى المشروع اسماعيل صدقى باشا رئيس الوزراء (1930 – 1933) ، لكن حزب الوفد المصري اتخذ موقفا معاديا للمشروع بأعتباره يبعد جهود الشباب عن قضية الاحتلال البريطانى وبما يخشى ان يكون هذا النشاط الشبابى بمثابة هروب من ثورة الفكر، ونجح مشروع القرش حيث بلغت حصيلته فى عامين 30 ألف جنيه فى عامين وهذا مبلغ خرافى بمقاييس الثلاثينات، وتم أفتتاح المصنع بالعباسية فى 15 فبراير 1933.

وآنذاك، تردد فى تركيا، أن الملك فؤاد يأوى فلول العائلة المالكة العثمانية، وفى عام 1932 وقعت ازمة دبلوماسية بين البلدين بسبب الطربوش؛ وذلك أنه أثناء الاحتفال بالعيد الوطنى التركى 29 أكتوبر وفى حضور السفير المصرى عبد الملك حمزة الذى كان يرتدى الطربوش دونما خمسمائة مدعو، مما لفت أنظار أتاتورك الذى خاطبه قائلا: قل لملكك أننى انا مصطفى كمال وأننى اصدرت أوامرى بأن تخلع هذا الطربوش من على رأسك الان، وأنسحب السفير من الحفل، وقرر الملك فؤاد سحب السفير، لكن أنتهت الأزمة فيما بعد بأعتذار أتاتورك.

ويوفى عام 1947، ذهب النقراشى باشا رئيس وزراء مصر إلى نيويورك لعرض قضية الاحتلال البريطانى امام مجلس الأمن، أصر النقراشى على ارتداء الطربوش طيلة مدة رحلته الى امريكا‏,‏ وكان طربوش النقراشى موضوعا للسخرية والفكاهه من جانب الصحف الأمريكية‏,‏ ولم تتلقى مصر آنذاك القرار المامول، وتردد أن أحد الاسباب تعود إلى إصرار النقراشى على ارتداء الطربوش مما أعطى أنطباعا سلبيا.

وفى سوريا، تم زوال الطرابيش تدريجيا مع اصدار مرسوم الرئيس حسنى الزعيم عام 1949 الذى منع بموجبه الموظفين من ارتدائه ثم ألحقه بمرسوم طريف آخر منع بموجبه السير بالشوارع بلباس البيجاما متأثراً بمراسيم كمال أتاتورك، وبعد نهاية حكم الزعيم الذي استمر 130 يوماً فقط، ألغى الرئيس هاشم الأتاسى مرسوم الطرابيش والبيجاما ولكن الانقلاب التالى بزعامة أديب الشيشكلى أعاد العمل بمرسوم البيجاما ونسى مرسوم الطربوش!.

فى مصر، كان الزاما على الموظفين وطلاب المدارس ارتداء الطربوش، وفى أواخر الأربعينيات من القرن الماضى، بدأ طلاب المدارس الثانوية فى القاهرة والأقاليم بالتململ من ارتداء الطربوش، وقاموا بمظاهرات يهتفون فيها بسقوط الطربوش‏. وجاءت ثورة يوليو 1952، واعتبر الرئيس جمال عبد الناصر أن الطربوش رمز للرجعية والإقطاع، فاستغنى عنه، وقام بإلغاء فكرة إلزامية ارتدائه، ليصبح المصريون أحرارًا فيما يرتدونه باستثناء العمامة الأزهرية لطلاب ومشايخ الأزهر الشريف.

وفى عام 1958، قرر عبد الناصر ألغى الطربوش نهائيا عن مصر، فسقط الطربوش من صفوف البوليس المصرى وضباط الجيش، ومن ثَمَّ موظفى الدولة، وتبع ذلك عامة الشعب بشكل تطوعى، وفى عام 1962 اختفى الطربوش تمامًا من الشارع المصري، وكان فؤاد سراج الدين رئيس حزب الوفد آخر الباشاوات الذين كانوا أوفياءً للطربوش ولم يخلعه الا عام 2000، ونتذكر الشيخ أحمد الصباحى الذى كان حلمه يرجع الطربوش  !

شاهد أيضاً

من خواطرى: حال العزيز تاه .. بقلم : منى حسن

مين هو العزيز أو مين بقى عزيز أو لسه فيه حد عزيز .. البني آدم ...