الرئيسية / حوادث / صناعة الكراهية.. الحرب غير المقدسة التي تهدد العالم

صناعة الكراهية.. الحرب غير المقدسة التي تهدد العالم

 

ربما لم تكن مصادفة أن يتزامن الهجوم الإرهابي الدامي في نيوزيلندا بأقصى جنوب العالم على مسجدين خلال صلاة الجمعة أمس الأول وسقوط ما يقرب من ٥٠ شهيدا، مع استسلام ثلاثة آلاف إرهابي من مقاتلي تنظيم “داعش” في آخر معاقل التنظيم بسوريا في منطقة “الباغوز”.
هذا التزامن رغم آلاف الكيلومترات التي تفصل جغرافيا بين المكانين، ورغم التباينات الواضحة بين أيديولوجية الطرفين، يكشف أن قاسما مشتركا يجمعهما، فكلاهما أحد أدوات صناعة الكراهية في العالم، وكلاهما لم يتورع عن استخدام أقسى وأقبح الأساليب للدفاع عن أيديولوجيته البغيضة، وهو سلاح القتل والإرهاب.
حادث نيوزيلندا لا يمكن أن يُقرأ بمعزل عن صعود موجات الكراهية في العالم بصور ومستويات متباينة ومتعددة، وهي كراهية لا علاقة لها بالأديان، ولا بالعقائد، بل إن الأديان والعقائد غالبا ما تكون الضحية الأولى لذلك الإرهاب، وفريسة لهذا العنف الذي يتحول بمرور الوقت إلى دين في حد ذاته، فبرينتون تاران قاتل المصلين في نيوزيلندا لا فرق بينه وبين أبو بكر البغدادي زعيم تنظيم “داعش”، رغم أن كلاهما يقف على طرف نقيض من الآخر، لكن يجمعهما نفس الفكر، وذات التوحش.
يسقط كثيرون في فخ محاولة تبرير بعض الأعمال الإرهابية أو الدموية، سواء بمنحها غطاء سياسيا أو دينيا، ولا يدركون أن ذلك لا يقل خطرا عن الجريمة نفسها، فعلى سبيل المثال تذهب بعض التحليلات للحادث الإرهابي الأخير في مسجدي “كرايست تشيرتش” إلى اعتباره جزءا من تيار يميني متطرف يتصاعد في العالم الغربي، خشية على قيمه ونمط حياته من موجات الهجرة المتواصلة من جانب غير الأوروبين، والنمو المطرد للمسلمين في الدول الغربية، حتى أن تقريرا لمركز بيو حذر من ارتفاع نسبة المسلمين فى الاتحاد الأوروبى، مؤكدا أنه سيصل إلى خمس عدد سكان الاتحاد بحلول عام 2050، وهو ما يعتبره البعض ذريعة لتبرير موجات الكراهية ضد هؤلاء المسلمين.
ويتجاهل هؤلاء أن المهاجرين إلى الدول الغربية يمثلون إضافة إلى تلك المجتمعات العجوز، وأن كثير من تلك المجتمعات التي تعاني الشيخوخة بحاجة إلى تلك موجات المهاجرين لتجدد شبابها، وتجد الأيدي العاملة الرخيصة التي تستطيع أن تمد المواطن الأوروبي بثمار “دولة الرفاه”، التي يخشى أن يشاركه فيها المهاجرون.
ويتجاهل المبررون للإرهاب ضد المهاجرين بشكل عام وضد الأقليات المسلمة في الغرب على وجه الخصوص العديد من الحقائق التي تشير إلى أن تلك الدول الغربية لم تصنع ثرواتها وحضارتها تاريخيا إلا باستلاب الكثير من ثروات الشعوب والدول التي جاء منها هؤلاء المهاجرون، وأنه لولا الاستعمار الغربي لما عانت الدولة المستعمرة من التخلف العلمي والاقتصادي والتقني الذي جعلها مصدرا لهجرات بشرية عديدة باتت اليوم وقودا لإذكاء نيران الكراهية.
كما يتجاهل المبررون العديد من الحقائق الرقمية، فمهما تصاعدت أعداد المهاجرين فلن تتحول كما يصفها سياسيون ونشطاء يمين متشددون فى أوروبا إلى “قنبلة ديموجرافية موقوتة”، فبحسب التوقعات السكانية سترتفع نسبة المسلمين في أوروبا من 4.09% فى عام 2020 إلى 8.12% فى عام 2050، بينما سيقل عدد المسيحيين من 74.23% إلى 61.81%.
إذن حقائق المنطق ولغة الأرقام لا تمنح هؤلاء المبررين ما يحتاجونه لإسباغ الشرعية على صناعة الكراهية التي يتولى قيادتها اليمين الغربي المتطرف بداية من الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، مرورا بماري لوبين في فرنسا، وصولا إلى قاتل المصلين في نيوزيلندا.
وأخطر ما يمكن أن يواجهه العالم جراء ذلك الصعود الخطير لصناعة الكراهية بين الأديان والأوطان والثقافات، أن يكون ذلك الشرارة القادمة لإشعال حرب عالمية جديدة، فالكراهية القومية كانت شرارة إشعال الحربين العالميتين الأولى والثانية، ويبدو أن صناعة الكراهية الدينية ستتولى إشعال النار غير المقدسة من جديد في أرجاء العالم.

شاهد أيضاً

وكيل وزارة التربية والتعليم بمطروح يتفقد استراحات مراقبي لجان الثانوية العامة بواحة سيوه

من مطروح كتبت ليزا شكري: تفقد الدكتور سمير النيلي وكيل وزارة التربية والتعليم بمطروح خلال ...