اليوم الجمعة 21 سبتمبر 2018 - 12:34 مساءً
الرئيسية / مقالات / رواندا من متحف الموت إلى معرض الطبيعة الخلابة .. بقلم : حسن الهامى

رواندا من متحف الموت إلى معرض الطبيعة الخلابة .. بقلم : حسن الهامى

ليس أبشع من صور أرفف وفاترينات العرض فى متحف الموت «أبادة الشعب» بقلب العاصمة الرواندية «كيجالى» حيث تعرض الجماجم والعظام التى تخلفت عن الحرب الأهلية التى ضربت رواندا عام 1994 لمائة يوم ما بين قبيلتى الهوتو والتوتسى والتى راح ضحيتها نحو مليون مواطن.
رواندا دولة داخلية صغيرة، تقع فى قلب أفريقيا، وجيرانها بورندى وأوغندا وتنزانيا والكونغو الديمقراطية، وعدد سكانها اليوم نحو 12 مليون نسمة؛ يتوزعون بين قبائل الهوتو 85% والتوتسى 14% والتوا 1%، ظل التوتسى يسيطرون على حكم البلاد قرون، وأحتل الألمان رواندا عام 1885 وعزوزا من سلطة التوتسى.
وبعد هزيمة ألمانيا فى الحرب العالمية الأولى، أصبحت رواندا تحت وصاية بلجيكا التى قامت بشق لحمة الوطنية ما بين التوتسى والهوتو لصالح الهوتو بإيجاد آلية التقسيم العرقى فى بطاقة الهوية باعتبار التوتسى العرق الملكى، والهوتو العرق الدونى.
أتبعت بلجيكا سياسة «فرق تسد» حتى إعلان الجمهورية وأستقلال رواندا عام 1962، وبدت تلك السياسة فى أحداث ثورة 1959 التى قام بها الهوتو للاستيلاء على السلطة بدعم بلجيكى، وهى الأحداث التى أفضت الى مذابح لنحو 150 الف مواطن راوندى، ومثلهم من اللاجئين الى دول الجوار .
لكن أحداث عام 1959 لا تقارن بالابادة الجماعية التى وقعت عام 1994 وشاهد عليها «متحف الموت» ، وعقب الأستقلال؛ توالى على حكم رواندا رئيسان من الهوتو ، لكن كلاهما لم يستطيع أستيعاب حركات التذمر الرواندى فى الداخل أو التمرد التوتسى من الخارج.
وفى 6 أبريل 1994، جاءت الكارثة التى قصمت ظهر رواندا، وذلك عندما ضربت طائرة الرئيس الرواندى بصاروخ، ذلك بينما الطائرة على وشك الهبوط فى مطار كيجالى، وسقطت الطائرة وقتل الرئيس ومعه رئيس بورندى وجميع من كانوا على متن الطائرة فى حادث لم يعرف من ورائه!
هنا أنطلقت الاذاعة الرواندية إلى مواطنى الهوتو: أذبحوا الصراصير التوتسى، وكانت المجازر بالمناجل والفؤوس، بينما تستمر الاذاعة فى تحريض مواطنى الهوتو وهى تسمى مواطنى التوتسى بالمنزل والشارع، وشهدت البلاد قتل الجار للجار، والزوج للزوجة، وبينما يهرب الناس فرارا الى الكنائس، فكانت الحرائق تشعل، والضحايا بالمئات فى كل مكان.
مائة يوم من المذابح التى أدت بارواح نحو مليون مواطن رواندى، وظلت آلة القتل على قدم وساق دون تدخل اى قوى دولية سواء من الأمم المتحدة أوبلجيكا أوفرنسا التى تردد أنها كانت تمالى الهوتو !
وعقب محاكمات سواء وطنية أو بالمحكمة الجنائية الدولية، تم سجن نحو 100 الف فرد من الضالعين فى المجازر؛ وتمر الأيام العصيبة وتستطيع البلاد أن تتماسك، ويتولى السلطة من التوتسى الرئيس «بول كاجامى» فى انتخابات 2003 بنتائج كاسحة 95%.
وفى عام 2005 يجلس كاجامى فى استاد كيجالى ومعه الآلآف من المواطنين لمشاهدة فيلم «يحدث أحياناً فى أبريل» يروى قصة المائة يوم من المذابح الرهيبة، وبينما البعض لم يتحمل المشاهدة، فأن البعض الآخر مضى فى المشاهدة وهو يجهش بالبكاء، لم هذا هو الفيلم الوحيد الذى يروى المجازر، بل تم انتاج عديد من الأفلام الأجنبية التى تروى المأساة.
وفى اغسطس 2017 فاز كاجامى بدورة رئاسية ثالثة بنسبة 98 % وهو ممثل الجبهه الوطنية الراوندية فى مقابل منافسه «فيليب مبايامانا» من الهوتو ممثل حزب الخضر الديمقراطى الراوندى الذى لم يتحصل إلا على 0.73 %.
ومازالت راوندا تعانى بعض من آثار وتداعيات الصراع القبلى، وهناك أتهامات بالسلطوية والبطش التى تطال الرئيس الرواندى «كاجامى» خاصة بعد التعديلات الدستورية التى أتاحت له الترشح لولاية ثالثة على أساس أنه منقذ البلاد من الإبادة الجماعية.
لكن فى عهد كاجامى خطت رواندا خطوات رائدة سياسية واجتماعية وأقتصادية، وفى سبيل المصالحة ومعالجة القصور القانونى فى معالجة تورط الملايين فى مذابح عام 1994، فقد لجأت رواندا الى التقاليد الرواندية من خلال مجلس الحكماء أو الـ«جاكاكا» بمثابة المجالس العرفية التى تعقد لحل المشاكل بين القبائل، والتي قضت بأن يتم العفو عن المتهم في مقابل الإقرار بالذنب والمساعدة فى إلقاء القبض على القيادات المشعلة لهذه الفتنة.
وكانت الخطوة الثانية وهى وضع الدستور الرواندى الذي ينص على المصالحة الوطنية وإعادة تأهيل المتورطين في الإبادة من خلال البرامج التعليمية والتثقيفية، والقوانين الصارمة التى جعلت التلفظ بأي خطاب عنصري جريمة لا يُتهاون فيها.
وقامت رواندا بإعادة تقسيم المحافظات؛ فقبل ذلك كانت كل قبيلة تسيطر على مجموعة من المحافظات، ثم وضعت الحكومة ضمن برنامجها إعادة التقسيم وتوزيع السكان حتى تعزز قيم المواطنة وإلغاء فكرة القبلية.
وأيقنت رواندا ، أن التوعية من خلال التعليم هو المدخل الرئيسى لبناء المواطنة، ومن ثم وضعت المناهج التى تحارب العنصرية ولتغرز فى عقول الأطفال فكرة تقبل الآخر المختلف عرقيا ودينيا؛ ومنع انتساب الطفل لقبيلته أو حتى يذكر اسمها بالمدارس.
وبينما كانت الإبادة الجماعية المنظمة؛ سببا كافيا جدا لانهيار الاقتصاد وهروب رؤوس الأموال، وتدمير الزراعة والسياحة اللذان يشكلان أساس الاقتصاد الرواندى فكانت الخطوة الأولى لإعادة بناء الاقتصاد بإعادة المواطنين الهاربين من رواندا ليشكلوا قاعدة القوى العاملة.
وقامت الحكومة بالتركيز على ثروات البلاد الزراعية والسياحية والاستفادة منها وتوجيه الاستثمار إليها حتى أصبحت تمثل 70% من القوة الاقتصادية؛ مع اتخاذ التدابير الجادة والفعالة لمحاربة الفساد.
وفي تقرير للسوق الأفريقية المشتركة «الكوميسا» في يوليو 2016 فإن رواندا أصبحت واحدة من الدول الاقتصادية الرائدة في أفريقيا بسبب اعتمادها على الزراعة بشكل كبير، وتوفر القوى العاملة. وبالنسبة لرجال الأعمال فرواندا أصبحت واحدة من أفضل الدول الاستثمارية في أفريقيا، والأكثر أمنا وجذبا لرواد الأعمال.
و وفقا للكوميسا فقد حققت رواندا إجمالى ناتج محلى بقيمة 1.7 مليار دولار في الخمسة أعوام السابقة، وتمكنت رواندا عام 2009 رغم أنها لم تكن مستعمرة بريطانية من الانضمام الى مجموعة دول الكومنولث، وأن كان ذلك يحمل نكاية فى فرنسا التى قامت رواندا بتجميد علاقاتها بها عام 2006.
خلال السنوات العشرين الماضية تضاعف متوسط دخل الفرد ثلاثة مرات بسبب الأنتعاش الأقتصادى، وما يتاح من تسهيلات لأقامة مشروعات صغيرة أو كبيرة، بداية من استثمار 100 دولار فى محل بسيط، إلى مشروعات كبرى بالمليارات، لكن كان المأخذ الوحيد على الأقتصاد الرواندى هو عدم اتجاه الدولة للاستثمار فى الصناعات المعتمدة بشكل كبير على التكنولوجيا.
وبينما كان أنهيار السياحة كان جزءا من الانهيار الذي لحق برواندا، فى بلد يعتمد بشكل رئيسى على السياحة بجوه المعتدل ووفرة الحياة البرية. وكلمة «رواندا» باللغة المحلية تعني أرض الألف تل؛ فثروات هذا البلد الصغير تجتمع فى مناظرها الطبيعية ومرتفعاتها الخضراء التي تعانق نهر النيل وتنتشر حولهما أنواع من الكائنات البرية المهددة بالانقراض وغير الموجودة في دول أفريقية أخرى، كل هذه الأسباب جعلت السياحة الطبيعية ثانى أهم مصدر دخل لرواندا بعد الزراعة.
في نهضتها السياحية اعتمدت رواندا على استغلال الثروات الطبيعية والتوسع في الحدائق العامة وجذب الاستثمار، وإلغاء التأشيرة للأجانب، ونظافة المدن وإعادة بناءها على الطراز الحديث حتى حازت العاصمة كيجالي لقب أنظف عاصمة أفريقية من الأمم المتحدة. وفى عام 2014 أصبحت رواندا تستقبل مليون سائح سنويا، بعد أن كانت بلدا طاردا لأبناءه فضلا عن السياح.
وفى خلال احداث 1994، كان الرجل من قبائل الهوتو يقتل زوجته المنتسبة لقبيلة التوتسى خلال الإبادة الجماعية، بتحريض من الحكومة وخوفا من أن يقتل هو نفسه إذا لم ينفذ الأوامر، وتم احتجاز ما بين 150 ألف امرأة و250 ألف امرأة من التوتسى لاستغلالهن جنسيا، وذلك وفقا لتقرير عن BBC، واتهم فى هذا الحادث رجال من قبائل الهوتو والقوات الفرنسية التى تدخلت بدعوى إنهاء الأزمة.
لكن رواندا الآن لم تعد كرواندا السابقة، فوفقا لتقرير صادر عن الأمم المتحدة تحتل رواندا المركز الأول على مستوى العالم فى التمثيل النسائى للبرلمان، وفى عام 2008 كانت نسبة المرأة فى البرلمان الرواندى هى 49% بينما هى فى السويد بنسبة 47% وفنلندا بنسبة 41,5%.
وتلقت رواندا الكثير من المساعدات الأجنبية التي ساعدتها على النهوض من أزمتها، وتحاول رواندا الخروج من إطار المساعدات بجذب المزيد من الخصخصة والأستثمار فى ثرواتها المعدنية والكهرباء والطاقة. وتبقى رواندا نموذج حى على ما تقترفه الصراعات الأهلية من دمار، بينما أن الطريق نحو البناء والتعمير والرخاء لن يكون إلا بالمواطنة وسلطة القانون!

شاهد أيضاً

الجواب الأساسي للغز إيران .. بقلم: هدى مرشدي ـ كاتبة ايرانية

قبل ٥٣ عاما كان هناك عدة شبان مصممين في إيران قرروا تشكيل منظمة كانت في ...